إبراهيم شقلاوي يكتب: السودان… فشل تطويع المنابر الدولية


إبراهيم شقلاوي
السودان… فشل تطويع المنابر الدولية
أظهرت جلسة مجلس الأمن المنعقدة في 24 أغسطس بشأن السودان، إذا ما تجاوزنا المداخلات، صراعًا على تعريف الأزمة، وتحديد المسؤولية عن استمرارها، وأدوات التأثير في مسارها وموازين القوة والنفوذ داخلها.
إبراهيم شقلاوي يكتب: الصندوق العربي… واقتصاد الدولة
لا شك أن الجلسة كانت مهمة للسودان. فالولايات المتحدة دفعت باتجاه توسيع نظام حظر السلاح المفروض بموجب القرار 1591 ليشمل كامل السودان، مع إدراج الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها، وتعزيز آليات الرقابة على العقوبات. وفي ظاهر الأمر يبدو المقترح منسجماً مع خطاب حماية المدنيين وإيقاف الحرب. لكن السياسة الدولية تُقرأ من آثارها المحتملة ومن توقيتها ومن ميزان القوة الذي يمكن أن تنتجه.
فالحظر الشامل قد يبدو متساوياً في النص، لكنه ليس كذلك في الأثر، إذ يقيد الجيش الذي تقود حرباً ضد التمرد، بينما يعتمد التمرد بدرجة كبيرة على شبكات تسليح وتمويل عابرة للحدود. وهنا يبرز سؤال مهم : هل الهدف تجفيف منابع الحرب، أم إعادة ضبط موازينها؟
هذه النقطة تصبح أكثر أهمية عند ربط المقترح بواقع الميدان. فالدعم السريع يواجه منذ فترة ضغوطاً عسكرية وسياسية ، وتراجعاً في قدرته على الاحتفاظ بالمبادرة في عدد من الجبهات، إلى جانب انقسامات داخلية وتراجع في قدرته على إدارة الحرب بالوتيرة السابقة. وفي مثل هذا الحال تصبح الأدوات السياسية والدبلوماسية والعقوبات أكثر أهمية من السلاح، إذ يمكن أن تتحول الضغوط الخارجية إلى وسيلة لإعادة تشكيل ميزان الحرب عندما يصعب تغيير نتائجها في الميدان.
اللافت أن هناك تقاطعًا بين المقاربات الأميركية والإماراتية تجاه السودان، ليس في التصريحات وحدها، بل في مسار متكامل: الضغط على الدولة، وتدويل العقوبات، والتركيز على المسيّرات، وتصوير الحرب كصراع بين طرفين متكافئين. والنتيجة أن هذا التقاطع، أياً كانت دوافعه، يدفع عمليًا نحو تمييع الفارق السياسي والقانوني بين الدولة وقوة مسلحة متمردة عليها.
وهنا تكمن إحدى أخطر المسائل في المشهد السوداني: أن إعادة تعريف الحرب قد تكون أحياناً أهم من محاولة إنهائها. فإذا جرى تقديم الجيش والدعم السريع باعتبارهما طرفين متساويين، فإن طبيعة الدولة تصبح موضع تفاوض، ويصبح السلاح أداة مساواة سياسية، لا وسيلة حرب. وعندها تتحول الدعوة إلى الحياد الدولي من مبدأ لحماية المدنيين إلى أداة لإعادة هندسة التوازن بين الدولة والمليشيا.
لكن الخرطوم رفضت هذه المعادلة. ففي مجلس الأمن، شدد السفير الحارث إدريس على أن القوات المسلحة ليست جماعة مسلحة أو كيانًا موازيًا للدولة، بل المؤسسة العسكرية الوطنية الشرعية، محذرًا من أن إخضاعها للعقوبات ذاتها المفروضة على المليشيات يعني عمليًا وضع الدولة ومتمرديها في مرتبة واحدة، بما يمس جوهر السيادة الوطنية.
فالقضية ليست مجرد رفض للعقوبات، بل رفض لطمس الفارق القانوني والسياسي بين الدولة وقوة مسلحة متمردة عليها، إذ لا تعني العدالة مساواة كيانين مختلفين في طبيعتهما وموقعهما القانوني.
وينطبق ذلك على ملف المسيّرات، فاستهداف المدنيين والأسواق والمدارس والمستشفيات جريمة تستوجب المحاسبة، لكن وضع كل استخدام للمسيّرات في سلة واحدة، دون تمييز بين استهداف المدنيين واستهداف قوة مسلحة، يجعل الحياد في النص انحيازًا في الأثر. ومن هنا يتجاوز سؤال الخرطوم الاعتراض على العقوبات إلى سؤال أهم هل يريد المجتمع الدولي وقف الحرب، أم إعادة تشكيل ميزانها؟
إذا كان الهدف وقف الحرب، فالمعالجة تبدأ من مصادر قوتها: السلاح والتمويل والمرتزقة وشبكات الإمداد العابرة للحدود. أما تقييد مؤسسات الدولة مع ترك هذه المصادر فاعلة، فقد يطيل الصراع بدل إنهائه، ويعيد توزيع موازين القوة. ومن هنا تكشف مواقف روسيا والصين حدود فرض مقاربة واحدة، فقد رفضت موسكو توسيع العقوبات والمساواة الآلية بين القوات المسلحة والدعم السريع، بينما حذرت بكين من الإفراط في العقوبات، مؤكدة أن الأولوية للسلام والاستقرار واحترام سيادة السودان.
كما عكست مواقف مصر والسعودية وباكستان، بدرجات متفاوتة، تمسكًا بوحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية، ورفض التعامل مع الدولة والمليشيا ككيانين متماثلين. ربما يعني ذلك قيام تحالف مكتمل، كما يؤكد أن المقاربة المطروحة تجاه السودان لا تحظى بإجماع دولي، وأن الصراع حول أدوات الضغط هو في جوهره صراع حول شكل التسوية وموازينها.
وهنا تكمن المفارقة: كلما اتسعت محاولة التدويل ، اتسع الخلاف حولها. فالسودان يقع عند تقاطع مصالح ، ما جعل محاولة دفع المنابر الدولية نحو سردية واحدة للحرب تصطدم بتعدد الرؤى والمصالح. وهذا هو معنى “فشل تطويع المنابر الدولية” : ليس سقوط قرار، بل تعذر مقاربة واحدة لها، إذ لم ينتج مجلس الأمن إجماعًا يساوي بين الدولة والمليشيا، ولم يتحول النقاش إلى قرار، بينما كشفت المواقف الروسية والصينية والإقليمية محدودية قدرة طرف واحد على تشكيل المسار الدولي.
لكن ذلك ليس انتصارًا نهائيًا للسودان، فالضغط الدولي باقٍ، وأدواته قابلة للتصعيد. لذلك لا تكمن الحكمة في الاحتفاء بمواقف الأصدقاء أو معاداة الخصوم، بل في استثمار التباين الدولي لبناء سياسة خارجية متوازنة ومستقلة، تحصّن الموقف السوداني بدل أن تتركه رهينة لتجاذبات الخارج.
السودان يحتاج إلى، جعل مصلحته الوطنية محور علاقاته مع الجميع. يمكنه التعاون مع روسيا والصين ومصر والسعودية وتركيا وباكستان، والحفاظ في الوقت نفسه على قنواته مع الولايات المتحدة وأوروبا، وفق قاعدة واضحة: لا أحد يعرّف المصلحة السودانية نيابة عن السودانيين.
وعلى الولايات المتحدة، إذا أرادت استعادة ثقة السودانيين، أن تحترم إرادتهم وأن تعيد النظر في تعريف الحرب من واقع ما عاشوه من مآسٍ وانتهاكات، لا من سرديات تُساوي بين الدولة ومليشيا تمردت عليها.
وفي الختام، بحسب #وجه_الحقيقة، تكشف أزمة بلادنا أن تدويل الحرب لا يعني بالضرورة توحيد الموقف الدولي، وأن محاولة تطويع المنابر الخارجية تصطدم بتعارض المصالح. لكن الخرطوم لا ينبغي أن تكتفي بصد الضغط، بل أن تبني روايتها الوطنية بالأدلة، وتلاحق مصادر السلاح والتمويل، وتنفتح على الجميع دون ارتهان لمحور. وعلى القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، أن تحترم إرادة السودانيين وتقرأ الحرب من واقع ما عاشوه من مآسٍ وانتهاكات، لا عبر سرديات تساوي بين الدولة والمليشيا. وفي المقابل، تبقى السيادة مقرونة بالإصلاح وحماية المدنيين والعدالة. فالحل في النهاية سوداني: دولة تحتكر السلاح، وسياسة تُحسم بالحوار والانتخابات، وجرائم تُحاسب بالقانون، وقرار يبقى للشعب.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 26 أغسطس 2026 م.
