نشر غسيل أم دعوة لتنظيف المؤسسة .. شركة مطارات السودان و اختبار الشفافية

ما إن تقترب الأضواء من بعض الملفات الحساسة و الشائكة داخل المؤسسات حتى تتعالى أصوات تحذر من «نشر الغسيل» وكأن الحديث عن مكامن الخلل إساءة للمؤسسة.
لكن الأسئلة الحقيقية هي :
هل حماية المؤسسة تعني إخفاء مشكلاتها ؟
و هل الحفاظ على السمعة يقتضي التعتيم ؟
أم أن المؤسسة القوية هي التي تمتلك الشجاعة لمواجهة أخطائها و معالجتها؟
في الإدارة الحديثة لم تعد الشفافية ترفًا إنها أحد أعمدة الحوكمة الرشيدة إلى جانب المساءلة والنزاهة والرقابة وإدارة المخاطر. و الشفافية لا تعني كشف الأسرار أو انتهاك الخصوصية و إنما تعني أن تكون القرارات قابلة للتفسير وأن تخضع الموارد والإجراءات للرقابة و أن يحصل أصحاب المصلحة على المعلومات التي تخصهم.
و هنا يأتي الحديث عن شركة مطارات السودان المحدودة.
هذه المؤسسة الاستراتيجية التي ترتبط مباشرة بمنظومة الطيران المدني السوداني ولذلك فإن النقاش حول أوضاعها المالية و الإدارية و حقوق العاملين وآليات الرقابة لا ينبغي أن يُختزل في عبارة «نشر الغسيل».
العامل الذي يطالب بحقه لا يعادي مؤسسته. ومن يسأل عن استحقاقاته لا يستهدف سمعتها. ومن يطالب بالمراجعة والرقابة لا يعمل بالضرورة ضد الإدارة.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الصمت فضيلة والحديث عن الخلل جريمة.
للمرة الثانية خلال أقل من 10 أيام.. العاملون بشركة مطارات السودان ينفذون وقفة مطلبية بمشاركة مطارات ولائية
و إذا كان «الغسيل» نظيفًا فنشره لا يسيء إلى صاحبه بل يساعد على تجفيفه وإظهار نظافته. أما إذا كان متسخًا فالمشكلة ليست في من كشفه وإنما في الاتساخ نفسه وهنا يجب أن يتجه الجهد إلى معالجة الخلل وتنظيفه بدلًا من مطالبة الآخرين بإخفائه.
إذا كانت المعلومة خاطئة فالحل هو التصحيح. وإذا كانت الاتهامات غير صحيحة فالحل هو الرد المؤسسي الموثق. وإذا كان هناك خلل حقيقي فالحل هو الإصلاح.
هذه هي الحوكمة ببساطة …
إن المؤسسة لا تحمي سمعتها بإغلاق الملفات و إنما بحسن إدارتها.
و لا تقاس قوتها بعدد المشكلات التي تستطيع إخفاءها بل بقدرتها على اكتشافها ومعالجتها.
و شركة مطارات السودان المحدودة أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة من خلال الحوار والشفافية والاستماع للعاملين ومعالجة الملفات العالقة وفق أسس واضحة وعادلة.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من ثقافة إدارة الأزمات إلى ثقافة إدارة المؤسسة ومن الدفاع عن القرارات إلى تفسيرها ومن مطالبة العاملين بالصمت إلى إشراكهم في صناعة الحلول.
و في النهاية ..
ليس كل من يفتح ملفًا يريد «نشر الغسيل» .. أحيانًا يكون فتح الملف هو الطريق الوحيد لتنظيفه.
فالشفافية لا تفضح المؤسسة … التعتيم هو الذي يمنح الخلل فرصة للنمو .
طيران بلدنا








