الجيش يكثف غاراته بكردفان ويقصف إمدادات “الدعم السريع” على الحدود مع إثيوبيا

في مواجهة الحشود العسكرية على الحدود الإثيوبية المحاذية للنيل الأزرق جنوب شرقي السودان، دفع الجيش السوداني، أمس الثلاثاء، بمزيد من التعزيزات العسكرية إلى الإقليم، للتصدي للهجمات التي تشنها منذ الشهر الماضي قوات “الدعم السريع” وحليفتها “الحركة الشعبية” بقيادة جوزيف توكا، على مدن الإقليم وبلداته.
وبالتزامن مع التحشيد البري المتبادل والتصعيد الذي يشهده الإقليم كثف الجيش غاراته الجوية والمسيرة مستهدفاً رتلاً للإمداد العسكري تابعاً لـ”الدعم السريع” على الشريط الحدودي مع إثيوبيا، وشنت مقاتلات الجيش ومسيراته غارات جوية مكثفة على تجمعات “الدعم السريع” في إقليم كردفان، وفق مصادر عسكرية.
جمال عبد القادر البدوي يكتب.. الجيش يصد هجومين بكردفان ويعزز دفاعاته في النيل الأزرق
جمال عبد القادر البدوي يكتب.. تصاعد حرب المسيرات وغارات على مواقع “الدعم السريع” في نيالا
جمال عبد القادر البدوي يكتب .. تحركات جديدة لـ”الدعم السريع” حول الأبيض والجيش يصعد غاراته الجوية
وصول “المشتركة”
وفي إطار التعزيزات التي دفع بها الجيش إلى محور النيل الأزرق وصلت إلى العاصمة الإقليمية الدمازين أمس الثلاثاء، مجموعات من “القوات المشتركة” المساندة للجيش، للمشاركة في العمليات العسكرية واستعادة السيطرة على المناطق التي احتلتها “الدعم السريع” و”الحركة الشعبية” خلال الأشهر الماضية.
وأكد قائد الفرقة الرابعة مشاة بالدمازين، اللواء إسماعيل الطيب، لدى استقباله طلائع “القوات المشتركة”، أن “وصول تلك المجموعات يمثل دعماً إضافياً للقوات المنتشرة بمسرح العمليات”.
وكشف الطيب أن قوات “الدعم السريع” تتلقى ضربات متلاحقة وموجعة وتواجه ضغوطاً متزايدة في مختلف المحاور، مؤكداً جاهزية الجيش للتعامل مع التطورات العسكرية وحماية المناطق الواقعة تحت سيطرته.
وتصاعدت منذ أشهر عدة، المعارك والمواجهات البرية والجوية بالطائرات المسيرة في إقليم النيل الأزرق في جنوبي شرقي السودان، تبادل خلالها الجانبان السيطرة على عدد من مدن وبلدات الإقليم.
وفي أغسطس (آب) الماضي أعلنت “الدعم السريع” سيطرتها على مدينتي الكرمك وقيسان الحدوديتين الاستراتيجيتين وأخيراً بسطت سيطرتها على قاعدة بكوري العسكرية للواء 13 التابع الفرقة الرابعة مشاة للجيش بالدمازين، بعد معارك ضارية بين الجانبين.
وبينما تتواصل المعارك والعمليات العسكرية في مناطق عدة من الإقليم، تفاقمت الأوضاع الإنسانية لعشرات الآلاف من النازحين الذين فروا من مناطق الكرمك وقيسان ومنطقة بكوري والقرى التي حولها، في ظروف قاسية ينعدم فيها الغذاء والدواء والمأوى، وضاعف موسم الأمطار من معاناتهم في ظل تشتتهم في العراء وسط الجبال والغابات والوديان.
من دون توقف
وأعلن عضو مجلس السيادة الانتقالي، رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، الفريق أول ياسر العطا، أن “تحرك كل قوات الجيش في المرحلة المقبلة سيكون شاملاً من دون توقف، سواء بالنسبة للقوات المرابطة أو تلك التي على الخطوط الأمامية”.
وأوضح العطا لدى تفقده، مقر القوات الخاصة، “نحن ذاهبون لحماية سكان دارفور من الانتهاكات… ولتوفير الأمن والاستقرار”، وذلك عقب عمليات القتل الممنهج على أساس عرقي التي جرت في الجنينة والفاشر والنيل الأزرق.
وأضاف أن “الجيش مهني قومي وليس ميليشيات، لا ينهب ولا يقتل ولا يغتصب، بل يقاتل من أجل حماية المواطن وليس بدافع الانتقام”، متهماً قوات “الدعم السريع” باستغلال العُمَد وقادة الإدارات الأهلية من أجل تجنيد الأطفال والدفع بهم إلى القتال، بواسطة فزاعة حماية النساء من الاغتصاب والقتل.
حشود واستعداد
على صعيد متصل أكد محافظ مدينة الكرمك، عبدالعاطي الفكي، استعداد الجيش والقوات المساندة للتصدي لأي محاولة لهجوم جديد من قبل حشود عسكرية كبيرة لتحالف “الدعم السريع” و”الحركة الشعبية- شمال” بقيادة جوزيف توكا، تم رصد تمركزها على الحدود الإثيوبية- السودانية.
وأوضح الفكي أن قوات “الدعم السريع” تسيطر على جزء من منطقة الكرمك، بينما لا يزال الجيش يفرض سيطرته الكاملة على شمال المحافظة، ويعمل على منع تقدمها إلى مناطق جديدة.
وكان مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة “ييل” الأميركية قد كشف أخيراً عن حشد عسكري كبير للمركبات والمعدات العسكرية لـ”الدعم السريع” والحركة الشعبية- شمال في قاعدة أصوصا التابعة للجيش الإثيوبي.
أما في محور كردفان فأكدت مصادر ميدانية، أن الطيران المسير والمقاتلات الحربية للجيش قصف أمس، تجمعات ونقاط ارتكاز لـ”الدعم السريع” داخل مدينة النهود وفي محيطها الخارجي، كما استهدف تجمعاً يضم قيادات ميدانية لهم في منطقة الخوي وأوقع خسائر بشرية وسطهم.
وكشفت المصادر أن مسيرات ومدفعية الجيش تعاملت مع قوة تابعة لـ”الدعم السريع” تحركت من نيالا في طريقها لإيصال إمدادات إلى مدينة النهود وتعزيز دفاعاتها المتقدمة بالمدفعية من أجل وقف تقدم قوات الجيش وحلفائه التي تزحف نحو المدينة وبدأت تضيق الحاصر عليها منذ عدة أيام، مبينة أن الغارات دمرت قوة الإمداد وشتتها تماماً ومنعتها من الوصول إلى هدفها في محيط المدينة.
ومنذ مايو (أيار) 2025، تسيطر قوات “الدعم السريع” على مدينة النهود، كبرى مدن غرب كردفان وفرضت إجراءات أمنية مشددة داخلها وغلقت الأسواق وعزلت المدينة عن الداخل والعالم الخارجي بتعطيل الاتصالات ومصادرة شبكات الإنترنت الفضائي (ستارلينك) بالمنطقة.
وأفادت مصادر محلية، بمقتل خمسة مدنيين وإصابة آخرين، جراء قصف جوي شنته طائرة تتبع للجيش على قرية “جفاوة” شمال غربي مدينة الدبيبات بجنوب كردفان.
وأسفر القصف بحسب شهود من السكان المحليين عن مقتل أربعة مدنيين وإصابة آخرين واحتراق عدد من المنازل والممتلكات. ولفت السكان إلى عدم وجود أي أهداف أو نشاط ذات طابع عسكري أو عناصر أو معسكرات أو مواقع عسكرية لها صلة بـ”الدعم السريع” داخل القرية أو في محيطها.
تفشي الكوليرا
في الأثناء، تشهد مناطق عدة بولاية غرب كردفان تفشياً متسارعاً لوباء الكوليرا، مع استمرار ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات، في وقت تتزايد الحاجة إلى المحاليل الوريدية والرعاية الطبية العاجلة.
يتركز انتشار الوباء، بحسب “غرفة طوارئ النهود المركزية”، في عدد من مناطق محلية الأضية، حيث بلغت الإصابات أكثر من 61 حالة، وتسع حالات وفاة مع استمرار تسجيل إصابات جديدة يومياً، في ظل عدم وجود مراكز للعزل الصحي وغياب الكوادر الطبية ونقص الأدوية المنقذة للحياة والمحاليل الوريدية، الأمر الذي يهدد بزيادة انتشار الوباء.
ما وراء لقاء حميدتي وآبي أحمد رسائل تتجاوز الحدود
وأوضحت “الغرفة” أن المرضى وأسرهم يواجهون أزمة إضافية تتمثل في ارتفاع الكبير في تكلفة العلاج، بما يفوق قدرة الكثيرين في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي تعيشها المنطقة.
وكشفت غرفة طوارئ مدينة بابنوسة بالولاية نفسها عن وفاة 12 شخصاً خلال يومين فقط إثر الإصابة بالكوليرا، بقرية واحدة هي “حمير أم تقولة” في ضواحي المدينة جراء التفشي المتسارع للوباء.
وأطلق مرصد كردفان نداء إنسانياً عاجلاً في شأن انتشار الوباء في عدد من القرى والمدن بولاية غرب كردفان، وتسجيل عشرات الإصابات والوفيات، وسط انعدام شبه كامل للرعاية الصحية والأدوية المنقذة للحياة بما في ذلك المحاليل الوريدية المستخدمة بصورة أساسية لإنقاذ حياة مرضى الإسهالات المائية الحادة.
وأشار النداء إلى أن الوضع لا يحتمل التأخير ويستدعي تدخلاً صحياً وإنسانياً عاجلاً يشمل توفير المحاليل الوريدية والأدوية والمستلزمات الطبية، ودعم المراكز الصحية العاملة، إلى جانب توفير مياه الشرب الآمنة ووسائل الوقاية والتوعية للحد من انتقال العدوى.
توسع وتمشيط
أما في محور صحراء دارفور فأوضحت مصادر ميدانية أن الجيش التشادي وسع انتشاره على الشريط الحدودي مع السودان، ونفذ عمليات تمشيط في الصحراء الكبرى، وأقام معسكرات موقتة قرب الحدود لمنع تسلل المسلحين وحظر استغلال أراضيه في الأعمال العسكرية أو عمليات نقل السلاح والمرتزقة.
وتابعت المصادر، أن الجيش التشادي أغلق بالفعل عدداً من المسارات في الصحراء الكبرى التي يُشتبه في استخدامها لتهريب الأسلحة والمقاتلين والمرتزقة إلى “الدعم السريع”، وصادر مركبات عسكرية من مجموعات سودانية مسلحة دخلت أراضي تشادية.
وفي أعقاب اتهامها طائرات ومسيرات سودانية بقصف أهداف داخل أراضيها في نهاية أغسطس (آب) الماضي، أعلنت العاصمة التشادية أنجامينا حالة التأهب القصوى في شرق البلاد، ودفعت بحشود عسكرية ومدرعات ونشرت معدات تشويش متطورة على حدودها مع السودان، تحسباً لأي تطورات ميدانية جديدة.
وكانت الخارجية السودانية نفت بصورة قاطعة، الاتهام الموجه للجيش بقصف عمق الأراضي التشادية، مطالبة بتحقيق مهني ومستقل يحدد المسؤولية، ومؤكدة احترام سيادة تشاد.
ضمانات الحوار
إلى ذلك أعلن وزير العدل عبدالله درف، إصدار رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، قراراً يتضمن ضمانات قانونية للمشاركين في مبادرة الحوار السوداني – السوداني، بهدف تهيئة بيئة آمنة ومؤاتية لانعقاد المشاورات والحوار داخل البلاد.
وقال درف في مؤتمر صحافي أمس، إن قرار البرهان نص على شطب جميع البلاغات المقيدة بواسطة أي جهاز من أجهزة الدولة ضد أي سوداني مقيم بالخارج يدخل البلاد للمشاركة في الحوار، متى كانت تلك البلاغات مرتبطة بفعل أو قول صدر عنه باعتباره رأياً سياسياً، مع إسقاط التهم الواردة فيها.
ولفت الوزير إلى أن القرار يمنع تحريك أي إجراءات جنائية ضد المشاركين في الحوار، أو بسبب رأي أدلى أو يدلي به أثناء مداولات الحوار خلال الفترة المحددة، مشيراً إلى أن تلك الإجراءات جاءت استجابة لمطالب مبادرة الحوار السوداني – السوداني، التي دعت إلى توفير ضمانات واضحة ومكتوبة قابلة للتنفيذ، تشمل الحماية القانونية للمشاركين، والحريات العامة، ومنع أي تدخل أو تأثير على مخرجات الحوار.
وأكد درف أن “دور الدولة في الحوار يقتصر فقط على توفير الضمانات والتسهيلات والحماية اللازمة، بما يحافظ على استقلالية الحوار وملكيته للسودانيين، من دون تدخل في تحديد أطرافه أو أجندته أو مخرجاته”.
زيارة الخماسية
في سياق متصل، يُتوقع أن تزور الآلية الخماسية العاصمة السودانية الخرطوم الأسبوع القادم، بهدف الدفع نحو توحيد الجهود الرامية للحل السياسي بينها وبين لجنة تهيئة الحوار الوطنية تمهيداً لتوافق وطني وإنهاء الحرب.
وقالت مصادر سياسية إن زيارة “الخماسية” المرتقبة تأتي في سياق التحركات الدولية والإقليمية الهادفة إلى دمج المبادرات وتوحيد الرؤى السياسية بين الأطراف المختلفة، من أجل الدفع بالحراك الذي تشهده الساحة السياسية بالسودان نحو وضع حد للأزمة الراهنة.








