40 شهرا من الغياب.. هل تعود الصحافة الورقية في السودان إلى سالف عهدها؟

دمرت الحرب في السودان المؤسسات الإعلامية وبنيتها، وتوقفت الصحف الورقية تماما للمرة الأولى منذ أكثر من 120 عاما، مما ترك نحو 90% من العاملين في القطاع المقدر عددهم بنحو 3 آلاف بلا عمل.

وكان تدهور الصحافة في البلاد قد بدأ منذ أواخر عهد الرئيس السابق عمر البشير، واستمر في عهد حكومة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وجاءت الحرب ووجهت إليها “رصاصة الرحمة”.

وتراجع عدد الصحف من 49 صحيفة سياسية ورياضية واجتماعية إلى 12 صحيفة قبل الحرب، وكانت غالبيتها متعثرة ماليا، وانخفضت الكميات المطبوعة وتقلص عدد العاملين، مما اضطر مجلس الصحافة إلى عدم التمسك بمطالب إصدار الصحف حسب القانون الذي ينظم صدورها.

مالك عقار: الصحافة السودانية ركيزة أساسية لبناء الوعي وترسيخ قيم الحرية والديمقراطية

تصعيد جديد في السودان.. النيابة تدرج 47 صحفياً ضمن المتهمين الهاربين

وبعد نحو 40 شهرا منذ اندلاع الحرب، بدأ ناشرون ترتيبات لإصدار صحفهم الورقية من الخرطوم التي غابت عنها منذ إطلاق الرصاصة الأولى، في حين يرى ناشرون وصحفيون أنه لم تعد هناك جدوى لعودة تلك الصحف.

مزاوجة بين الورقي والرقمي

لم يكن الصحفيون السودانيون استثناء، بل تدهورت أوضاعهم وفقد أكثرهم مصدر رزقه، واقتحم بعضهم مجالات جديدة لكسب المال بسبب الحرب. ولا تزال الصحافة الورقية غائبة، في حين صدرت مئات المواقع والمنصات الرقمية التي يقوم معظمها على جهود فردية.

ويعاني الصحفيون داخل البلاد عدم استقرار خدمات الاتصالات والإنترنت وحجبها أحيانا في مناطق النزاع، وهو ما يمنعهم من أداء مهامهم ويعوق حصولهم على الحقائق والوصول إلى المصادر، ويحرم المواطنين من الحصول على المعلومات، الأمر الذي يؤدي إلى انتشار الشائعات.

وبعد يومين من النقاش، أوصت ندوة إعلامية -نُظمت في الخرطوم السبت الماضي- بإقرار خطة وطنية لإعادة إصدار الصحف الورقية تدريجيا مع مراعاة المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية وسلوك الجمهور.

كما أوصت الندوة -التي نظمها مركز الفضاء للثقافة والإعلام- بالإسراع في إصدار قانون جديد للصحافة والإعلام، يواكب التحولات في الصحافة الورقية والإلكترونية والمواقع الإخبارية والمنصات الجديدة.

وطالبت توصيات الندوة بتشجيع نموذج الصحافة الورقية-الرقمية المتكاملة، بحيث تمتلك الصحيفة موقعا إلكترونيا ومنصات رقمية إلى جانب النسخة المطبوعة.

ونصحت التوصيات الصحف الورقية التي تستعد للصدور بتطوير محتوى نوعي لا توفره منصات التواصل الاجتماعي، مثل التحقيقات الاستقصائية والتحليلات والملفات والحوارات والبحوث الصحفية.

ظواهر سلبية

وخلال الندوة، خلصت ورقة عن “تحديات عودة الصحافة الورقية السودانية ” -قدّمها أبو عبيدة عبد الله- إلى أن استعادة الصحف المطبوعة لنشاطها تتطلب معالجة الأزمات الاقتصادية واللوجستية التي يواجهها القطاع، بالتوازي مع تسريع التحول الرقمي وتطوير نماذج اقتصادية وتحريرية جديدة تضمن استدامته.

وحسب الورقة، فإن مستقبل الصحافة الورقية السودانية لا يرتبط بمجرد استئناف الطباعة، بل بقدرتها على التكيف مع البيئة الإعلامية الجديدة، مؤكدة أن التحول الرقمي أصبح ضرورة، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية الصحافة المطبوعة.

ومع تفضيل قطاعات واسعة من الجمهور، خصوصا الشباب، الأخبار السريعة والمحتوى المرئي والتفاعلي، فإن الورقة ترى أن الصحافة الورقية لا تزال تحتفظ بمزايا مهمة، بينها المصداقية والتحرير المهني والتوثيق والقدرة على تقديم التحقيقات والتحليلات المتعمقة.

وقدّم الباحث طارق عبد الله ورقة عن “الظواهر السلبية في الوسط الصحفي”، وقال إن أبرزها الانتهازية والتزلف والاختراق الإعلامي والتشظي.

وأشار إلى الانقسامات المرتبطة بالمصالح الشخصية والمنافسة المهنية والضغوط المعيشية التي تؤثر في قدرة الصحفيين على الالتزام الكامل بالمعايير الأخلاقية.

وفي ورقة عن دور المؤسسات الصحفية، قال الكاتب والناشر عبد الماجد عبد الحميد إن الصحافة انتقلت خلال السنوات الأخيرة من وسيلة تقليدية لنقل الأحداث إلى بيئة رقمية تفاعلية متعددة الوسائط، أصبح فيها الجمهور شريكا في صناعة المحتوى عبر التصوير والتعليق والنشر الفوري، في حين تحوّل الخبر من نص مجرد إلى محتوى يجمع بين النص والصورة والفيديو والإنفوغرافيك والبودكاست.

ووفقا لورقة الكاتب، فإن التطور المتسارع في صحافة البيانات والذكاء الاصطناعي سيواصل تغيير العمل الصحفي، وقد يؤثر في مستقبل آلاف الوظائف الإعلامية، لكن هذه التحولات لن تغيّر جوهر المهنة القائم على البحث عن الحقيقة والالتزام بالنزاهة والشفافية.

لا مستقبل للورق

ويعتقد الأمين العام السابق لمجلس الصحافة والمطبوعات العبيد أحمد مروح أن فرص عودة مؤثرة للصحافة الورقية في المشهد الإعلامي ضعيفة جدا، وهي تتراجع كل يوم لعوامل عدة.

وفي حديث للجزيرة نت، يرى مروح أن الصناعة أصبحت أكثر كلفة، نظرا لغلاء مستلزماتها من ورق وغيره، وهذا يترتب عليه غلاء سعر النسخة المطبوعة ومن ثم العزوف عن شرائها.

وغلاء سعر النسخة المطبوعة -يضيف مروح- يُقرأ في ضوء تراجع الاقتصاد وتراجع ميزانيات الإعلان، الذي كان يمكن أن تسهم مداخيله في جعل الناشرين يقللون سعر النسخة لتكون في متناول قدرة القراء، الذين قد لا تكون أولوياتهم شراء صحيفة ورقية تفقد قيمتها الخبرية قبل أن تصل إلى أيديهم.

ويضيف أن هناك عاملا آخر هو أن الإقبال على قراءة الصحف الورقية -حتى في الأوضاع الطبيعية- أخذ في التراجع نظرا لانتشار الهواتف الذكية وخدمة الإنترنت، ومن ثم أصبحت الصحف -أو محتواها- متاحة على الشاشات.

كما باتت عادة قراءة الصحف محصورة عند أجيال بعينها، وهي الأجيال غير الشابة. أما الشباب فلم تعد القراءة من الورق -سواء في الصحف أو الكتب- تغريهم، ومن ثم كلما تقدمت السنوات فقدت الصحف الورقية مزيدا من القراء وفقدت المستقبل، وفقا للمتحدث ذاته.

وبشأن مستقبل الصحف الورقية، يرى رئيس التحرير والناشر الهندي عز الدين أنها لم تعد مشروعا ذا جدوى اقتصادية، سواء أكان ذلك في السودان أم في العالم العربي، مضيفا أن مؤسسات صحفية بريطانية وأمريكية شهيرة انتقلت أيضا إلى النسخ الإلكترونية وأوقفت النسخة الورقية.

ويقول عز الدين للجزيرة نت إن الوضع في السودان أسوأ بكثير بسبب حالة الانهيار الاقتصادي المستمر منذ سقوط النظام السابق في أبريل/نيسان 2019، وصارت تكلفة إنتاج الصحيفة عالية جدا، ولا يمكن طرحها للأسواق بقيمة مرتفعة في ظل قوة شرائية ضعيفة.

ويستبعد أن تطبع صحيفة سودانية أكثر من ألف نسخة عند صدورها، ويتوقع أن يكون صدورها رمزيا تموله جهات حكومية أو خاصة.

وأوضح أن الصحف الإلكترونية لا تمثل مؤسسات صحفية ذات أصول وقواعد مهنية وكادر بشري، لضعف عائدها المادي، وعدم مواكبة المعلنين في السوق السودانية للمتغيرات في المشهد الإعلامي الذي يفرض ضرورة التوجه نحو الإعلان الرقمي بأسعار مناسبة.

Exit mobile version