رشان أوشي تكتب : حين أغلقت الشمالية أبواب الفوضى..

تُعد الولاية الشمالية مهداً لحضارة ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، وظلت على مدى عقود واحة آمنة لم تُكدّر صفوها النزاعات القبلية، وملاذاً حاضناً للسودانيين من مختلف أنحاء البلاد.
ومع اندلاع الحرب، احتضنت أرضها ملايين النازحين بكل ترحاب، باعتبارها رمزاً للأمان والاستقرار. إلا أن هذا الملاذ المأهول بالسكينة سرعان ما اصطدم بتحديات أمنية كبيرة .

رشان أوشي تكتب: دواجن النيل.. من يملك الدجاجة التي تبيض ذهباً؟

رشان اوشي : حملة ترشيح البرهان للرئاسة مجهودات فردية

رشان أوشي تكتب: لماذا نترك إسرائيل للمليشيا؟
تمثلت تلك التحديات في ظهور جماعات مسلحة وخارجين عن القانون أثاروا الرعب بين المواطنين، أبرزها مليشيات “أولاد قمري” و”الشاذلي الأنور”، فقد أسس أفراد هذه المجموعات تشكيلات عسكرية، واقتنوا أسلحة متنوعة، بدءاً من “الكلاشنكوف” وصولاً إلى الطائرات المسيرة البسيطة، كما أنشأوا معسكرات للتدريب واستثمارات.
ورغم محاولات الأجهزة الأمنية والعسكرية احتواء الموقف بالوسائل السلمية ، بما في ذلك إغلاق معسكرات “أولاد قمري” وتحذير قياداتها، استمرت تلك الجماعات في تجاوزاتها وممارساتها المخالفة للقانون.
وفي نوفمبر 2025م، وعقب تولي الجنرال “عبد الرحمن عبد الحميد” قيادة الولاية، حسمت اللجنة الأمنية موقفها بشن حملات صارمة؛ أفضت إلى اعتقال عدد من قادة المليشيا وهروب بعضهم إلى خارج البلاد ، واحتجاز المخالفين للقانون من أفراد تلك القوات، وتسريح البقية، إلى جانب مصادرة الاستثمارات العقارية التابعة لها في وسط المدينة.
وأثمرت هذه الإجراءات الحاسمة عن تراجع واضح في معدلات الجريمة، وفقاً لمضابط الشرطة ،انخفض عدد البلاغات من (36,818) بلاغاً في عام 2024م إلى (33,349) بلاغاً في عام 2025م، بمتوسط ثلاثة بلاغات يومياً لكل قسم من أقسام الشرطة الجنائية الثلاثين بالولاية.
كما سجّلت شرطة الولاية الشمالية (1,596) بلاغاً، أُوقف على ذمتها (2,857) متهماً في قضايا تتعلق بتعاطي المخدرات والاتجار بها. وأسفرت الحملات عن ضبط (631,944) رأس بنقو، و(13,826) حبة نيرفاكس، و(2,920) غراماً من مادة “الأيس”.
وامتدت جهود الشرطة في ضبط الأمن إلى إغلاق المقاهي المشبوهة على طريق المزارع بمدينة الدبة، والتي كانت تُستغل، وفقاً للمعلومات الأمنية، في ترويج المخدرات وممارسة أنشطة غير مشروعة تحت حماية مجموعات مسلحة.
كما نفّذت اللجنة الأمنية حملات عسكرية استهدفت إبعاد المليشيات عن مناطق وأسواق التعدين، بهدف تأمين تلك المناطق، وإحكام سيطرة الدولة عليها، وضمان توجيه عوائد الذهب والموارد لصالح مواطني الولاية.
فالأرض التي قدر لها أن تكون ملاذاً آمناً للنازحين، لا ينبغي أن تظل مجرد ملجأ من الحرب؛ فالولاية الشمالية تملك ما هو أبعد وأعمق. خلف النيل الممتد في هدوء، وتحت رمال الصحراء التي تبدو للوهلة الأولى عصية على الحياة، تختبئ قصة أخرى، قصة أرض تعرف كيف تنبت الحياة حين تجد من يطرق أبوابها.
الحكاية القادمة من الولاية الشمالية ، حكاية الزراعة، من الساقية القديمة التي قاومت الزمن، إلى المشروعات الحديثة التي تحاول أن تفلح حقول من الصحراء، واقتصاد من النيل، ومن خيرات الأرض مستقبلاً لأهلها.

Exit mobile version