فى تطور جوهرى ومنذر بعواقب وتداعيات على استراتيجية البحر الأحمر وحركة التجارة العالمية عبر قناة السويس، أحكم الحوثيون قبضتهم على مضيق باب المندب.
كان ذلك داعيًا لتساؤلات ومخاوف واسعة من انتقال كتل النيران من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب على البحر الأحمر.
إنها تداعيات الحرب على إيران وإنذار مدوٍ باختناق أكبر وأخطر فى حركة ناقلات النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية.
لم تكن ورقة «باب المندب» مستبعدة فى سيناريوهات المواجهة، التى طُرحت إثر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لكن لم يكن يتوقع أحد سقوط مدن ومواقع الساحل الغربى لليمن، التى تتحكم فى باب المندب على هذا النحو، السريع والحاسم، دون مقاومة تُذكر أمام تقدم الحوثيين.
رغم نفى الحوثيين نيتهم إغلاق باب المندب أمام التجارة العالمية، باستثناء الناقلات السعودية على خلفية التصعيد المتبادل معها، إلا أن خطابات الطمأنة لا تمنع من الإقرار بسيطرة حلفاء إيران فى اليمن على المضيق البالغ الأهمية الاستراتيجية.
لم يكن من أهداف العمليات العسكرية الأمريكية فى الحرب على إيران فتح مضيق هرمز، فقد كان مفتوحًا بالفعل، لكنه تحوّل بالوقت إلى أهم ورقة إيرانية تضغط على أعصاب الاقتصاد العالمى وتضع الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» فى وضع حرج، لا هو قادر على حسم الحرب بالقوة المسلحة، ولا هو مستعد أن يعترف بأنه تعرض لهزيمة استراتيجية هزت صورة بلاده أمام مواطنيها قبل غيرهم.
الآن أضيفت ورقة ضغط أخرى عند مضيق باب المندب.
بالتزامن، جرى استهداف خط الأنابيب السعودى شرق غرب بين مدينتى الرياض والمدينة المنورة لإغلاق أى منافذ لنقل النفط عبر البحر الأحمر، بعيدًا عن مضيق هرمز.
استخدمت فى هذه العملية النوعية مسيرات انطلقت من العراق، الذى وجد نفسه محشورًا بين حكومة تحاول ضبط أمنها وألا تتورط فى مواجهات النار، وفصائل مسلحة تبرر وجودها بمعاداة الولايات المتحدة والتحالف مع إيران.
رجح «ترامب» أن تكون إيران وراء ذلك الاستهداف، دون أن يجزم.
كان ذلك تعبيرًا عن خشية أى تورط إضافى فى مستنقع الحرب معها.
نحن أمام استراتيجية إيرانية متكاملة تسعى لإحكام الحصار على نقل النفط والغاز من المنطقة ضغطًا على القرار الغربى والانفتاح فى الوقت نفسه على الحوار مع دول الخليج فى العاصمة العمانية مسقط حول التفاهمات، التى جرى التوصل إليها بين إيران وعمان، البلدين المطلين على مضيق هرمز، دون أن يعنى ذلك أن المضيق سوف يكون آمنًا ما لم توقف الإدارة الأمريكية حربها على إيران.
بصياغة إيرانية أخرى، إما أن يُسمح لكافة الدول المطلة على الخليج بتصدير نفطها، وإما أن يمتنع ذلك الحق عن الجميع.
بتعبير وزير الخارجية الإيرانى «عباس عراقجى»، فإن بلاده تتناقش فى انعدام الأمن بالمنطقة وتبعاته على مستقبل دولها.
باستغلاق أى أفق سياسى لإنهاء الحرب وسيطرة الحوثيين على باب المندب، يجد «ترامب» نفسه عالقًا فى تعقيدات لا نهاية لها.
لا بوسعه أن يحسمها عسكريًا، ولا هو مستعد أن يسلم بهزيمته الاستراتيجية فيها.
قال إنه يفكر فى إنهاء الحرب إثر انتخابات مجلسى الكونجرس مطلع نوفمبر المقبل دون أن يكشف: كيف؟.. ووفق أى أسس ومعايير؟!
لعله أراد أن يطمئن القاعدة الانتخابية القلقة قبيل الانتخابات من أنه يعرف ما يريد وكيف يحققه بالوقت الذى يحدده.
لم يكن ذلك مقنعًا لأحد.
«أنا لست نادمًا على الحرب مع إيران».
كانت تلك مكابرة مع الحقائق، التى تهدد حظوظ الجمهوريين فى انتخابات التجديد النصفى لمجلسى الكونجرس، حيث تنخفض شعبيته بفداحة فى استطلاعات الرأى العام.
حسب موقع أكسيوس الأمريكى، فإنه رفض طلبًا سعوديًا للقيام بعمليات جوية مساندة.
فى نفس الوقت، لم يصدر عن تركيا وباكستان أية إشارة للتدخل العسكرى وفق بنود «اتفاق مكة».
كان ذلك لافتًا.
«نحن نسيطر على مضيق هرمز».
كان ذلك ادعاءً متكررًا من «ترامب» يستهدف إقناع الناخبين بأنه قد انتصر فعلًا، متعهدًا بإنهاء الحرب بعد الانتخابات الوشيكة.
مشكلته أن الناخبين يصدقون الأسواق أكثر من وعوده.
كان ارتفاع أسعار الديزل إلى مستويات قياسية مؤشرًا على زيادات غير محتملة فى أسعار السلع الرئيسية وتراجعات فى مستويات المعيشة.
هكذا أخفقت الاستراتيجيات الترامبية واحدة إثر أخرى، وأخطرها الخنق الاقتصادى بحصار الموانئ الإيرانية فى تليين الموقف الإيرانى.
باعتراف الرئيس «مسعود بزشكيان»، فإنه موجع، لكنه لن يكسر شوكة بلاده.
فى لحظة ضيق بالغ، لوح «ترامب» باستخدام الأسلحة النووية، قبل أن يسارع هو نفسه بالنفى!
بأى نظر جيواستراتيجى، فإن الأمن القومى المصرى يتصل جوهريًا بما يحدث فى البحر الأحمر عند مضيق باب المندب على وجه الخصوص.
يستلفت الانتباه ــ هنا ــ ما كتبه الأستاذ «محمد حسنين هيكل» على صفحات «الأهرام» بتاريخ (27) أكتوبر (1972)، قبيل حرب (1973) بعام واحد.
«من وجهة نظر حقائق الجغرافيا السياسية فإن أحدا لا يناقش فى ضرورة أن يكون للمملكة العربية السعودية دور خاص فى شبه الجزيرة العربية».
«ولكن المسألة بعد ذلك تصبح: فى أى اتجاه؟.. وإلى أى مدى؟.. وكيف يمكن لذلك كله أن ينسجم مع استراتيجية عربية عامة فى البحر الأحمر الذى هو الآن – وسوف يصبح غدا من أهم وأخطر جبهات الصراع الطويل والمتصل مع العدو الإسرائيلى».
كانت تلك نبوءة سياسية فى مقال عنوانه: «الخطر فوق البحر الأحمر».
لم يعد استشعار الخطر افتراضيًا، إنها الآن: نذر نار تكاد تعصف بالإقليم كله.
