عثمان عكرة يكتب: خمسون عاماً… وتزداد المسافة ابتعاداً

خمسون عاماً من المودة… عبارة كبيرة، وربما تكفي وحدها لتجعلنا نتوقف أمام شهادة الدكتور أمين حسن عمر في رحيل الدكتور التجاني عبد القادر.
لا أجادل أميناً في شهادته عن صديقه؛ فهو يتحدث عن علاقة شخصية وفكرية امتدت نصف قرن. لكنني، وأنا أقرأ ما كتب، وجدت نفسي أذهب إلى منطقة أخرى تماماً: إلى ما بين السطور، وإلى المسافة التي أخذت تتسع، بمرور السنوات، بين التجاني وبين مركز القرار في الحركة الإسلامية السودانية.
فالتجاني، كما يصفه أمين نفسه، لم يكن مجرد كادر تنظيمي. كان رجلاً يفكر، ويجادل، ويتأمل، ويملك مشروعاً فكرياً مستقلاً. ولذلك ربما لم تكن مشكلته أنه لم يكن مؤهلاً للسياسة والعمل التنفيذي، وإنما أنه لم يكن يريد أن تكون السياسة هي المجال الذي يختزل فيه.
وهنا تبدأ الحكاية.
عثمان عكرة يكتب: عطش ربك.. عن العاصمة التي سمموا حياتها وسوء الحوكمة التاريخي
عثمان عكرة يكتب: اتجاهات جديدة… الحوار الوطني: هل من انفراجة ام غتامة المواقف
يقول أمين إن الترابي كان يريد للتجاني موقعاً سياسياً مهماً وهو قيادة أمانة التنظيم الذي كان يتخذ، من مؤتمر الحوار، حول النظام السياسي مدخلا لتأسيسه ، وإنه كان يراه مناسباً لقيادة المرحلة المقبلة، ثم اعتذر التجاني قبل المؤتمر بيوم واحد، قائلاً إنه يجد نفسه في العمل الفكري والثقافي أكثر من العمل السياسي.
هذه الواقعة وحدها تستحق التوقف طويلاً.
لماذا؟
لأن الرجل لم يرفض المشروع، ولم يخرج عليه، ولم يعلن خصومة مع الترابي. هو فقط قال: هذا ليس مجالي.
لكن يبدو أن ثقافة المركز التنظيمي لا تتعامل دائماً بسهولة مع كلمة «لا».
والأخطر أن الأمر لم يكن واقعة منفردة. التجاني اعتذر كذلك عن منصب نائب والي كردفان، للسبب نفسه تقريباً. وحين حاول أمين إقناعه، كان رأي الترابي ـ بحسب الشهادة ـ أن التجاني رجل فكر وتأصيل وليس رجل إدارة.
إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يُترك رجل الفكر لفكره؟
هنا السؤال الحقيقي.
لأن المشكلة في رأيي لم تكن في أن التجاني لم يصبح سياسياً، وإنما في أن الحركة التي كان يمكن أن تجعل من المفكرين قوة إنتاج داخلها، كانت كثيراً ما تريد منهم أن يكونوا جزءاً من منفذين في ماكينة القرار،وأدوات في يد القائد،فإذا اعتذروا أو اختلفوا أو احتفظوا بمسافة من السلطة، بدأت المسافة بينهم وبين المركز تتسع.
وهذا ليس حديثاً عن التجاني وحده.
منذ وقت مبكر، كان هناك سؤال داخل الحركة الإسلامية السودانية عن العلاقة بين الفكرة والتنظيم، وبين المفكر والسلطة التنظيمية.
الترابي نفسه كان صاحب عقل واسع، ومشروع فكري مختلف، وقد استطاع أن يجمع حوله رجالاً ذوي قدرات متنوعة. لكن المفارقة أن المشروع الذي كان يريد أن يجدد الفكر الإسلامي لم يكن دائماً يحتمل بسهولة استقلال العقول التي نشأت في داخله.
جعفر شيخ إدريس كان له حضوره الفكري المستقل.
وصادق عبد الله عبد الماجد كان شخصية لها تاريخها ووزنها.
ثم جاءت أجيال أخرى، وكان بينها أحمد عبد الرحمن، وإبراهيم أحمد عمر، وحسن مكي، والتجاني عبد القادر، وغيرهم.
هؤلاء لم يكونوا مجرد منفذين.
وهنا ربما كان الاختبار الأصعب للترابي: كيف يتعامل صاحب المشروع مع تلاميذ يتحولون، بمرور الوقت، إلى أصحاب مشاريع؟
فالسياسة تستطيع أن تستوعب الكادر الذي يعرف مهمته وحدود تكليفه. أما الفكر فلا يعرف الحدود بهذه الطريقة.
الفكر يسأل.
والفكر يعترض.
والفكر يقول: لماذا؟
والأهم أنه قد يقول: لا.
ولذلك أظن أن تجربة الحركة الإسلامية السودانية لم تكن تعاني فقط من صراع سياسي بين أشخاص، بل من مشكلة أعمق: مشكلة التعامل مع العقل المستقل داخل التنظيم.
فكلما اقترب الشخص من مركز القرار، كان مطلوباً منه أن يكون أكثر التزاماً بالخط التنظيمي. وكلما اتسعت مساحة استقلاله الفكري، أصبح وجوده داخل المركز أكثر تعقيداً.
وهنا أفهم شيئاً من تجربة التجاني.
لقد اختار الرجل، أكثر من مرة، أن يقول لا للموقع السياسي، وأن يعود إلى مجاله الطبيعي: الفكر والتأصيل.
ثم جاءت هيئة الأعمال الفكرية، وكان التجاني أحد الذين وضعوا تصورها ومشروعاتها، وكان مطروحاً أن يتولى أمانتها العامة. لكن حتى هذه المساحة لم تكتمل له، لأن أولوية التأصيل للتعليم الجامعي ـ بحسب شهادة أمين ـ كانت مقدمة عليها.
ثم جاءت ماليزيا.
ومن ماليزيا إلى أمريكا، ثم دبي، ثم قطر.
وهكذا خرج واحد من أكثر العقول الإسلامية السودانية قدرة على التفكير من مركز المشروع الذي كان يمكن أن يستفيد منه.
وهنا أختلف قليلاً مع عبارة أمين التي تقول إن السودان والإنقاذ خسرا كادراً ورمزاً كان يمكن أن يقدم إسهاماً عظيماً.
السؤال عندي ليس: ماذا خسر السودان؟
السؤال الأصعب هو: لماذا لم يستطع المشروع أن يحتفظ به؟
فأحياناً لا تخسر المؤسسات أصحاب العقول لأنهم لا يريدون العمل معها، وإنما لأنها لا تعرف كيف تتيح لهم أن يعملوا بطريقتهم.
وهذه هي العقدة.
الترابي كان يريد التجاني سياسياً، والتجاني كان يرى نفسه مفكراً.
الترابي كان يريد مشروعاً منظماً، والتجاني كان يريد مساحة للفكرة.
وهنا تلتقي السلطة بالفكر، وغالباً لا يخرج الفكر منتصراً.
أما الذين يجيدون العمل داخل حدود التكليف، فهم أكثر قدرة على البقاء في المركز.
ولست هنا بصدد إصدار حكم أخلاقي على أشخاص بعينهم؛ فالتاريخ أكثر تعقيداً من ذلك. لكنني أتحدث عن ثقافة سياسية يمكن أن تنتجها التنظيمات حين يصبح القرب من القائد معياراً من معايير الفاعلية، وحين يتحول الاختلاف من قيمة فكرية إلى مشكلة تنظيمية.
ولهذا فإن قصة التجاني عبد القادر عندي ليست قصة رجل اعتذر عن منصب.
إنها قصة عقل لم يكن يريد أن يتحول إلى وظيفة.
وربما لهذا بقي التجاني، حتى بعد أن ابتعد عن السودان، حاضراً في الفكر أكثر مما كان حاضراً في السياسة.
وبقي السؤال.
هل كان التجاني هو الذي ابتعد عن المشروع؟
أم أن المشروع، حين دخل إلى منطقة السلطة، أصبح أضيق من أن يحتمل التجاني؟
هذا سؤال للتاريخ.
لكن التاريخ لا يجيب دائماً في حياة أصحابه.
وأحياناً لا نعرف الإجابة إلا بعد أن يموت الرجل، ونبدأ في قراءة شهادات أصدقائه، فنكتشف أن وراء خمسين عاماً من المودة قصة أخرى…
خمسون عاماً من المودة، نعم… ولكن خمسون عاماً أيضاً من اتساع المسافة.
رحم الله التجاني عبد القادر.








