الجيش يصد هجوما جويا على الأبيض ويتقدم في جنوب كردفان


تواصلت عمليات التصعيد العسكري المحموم في إقليم كردفان لليوم الرابع على التوالي، إذ شنت مسيرات انتحارية تابعة لقوات “الدعم السريع” أمس الأحد هجوماً واسعاً استهدف مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، وذلك كرد فعل على العملية البرية الواسعة والتقدم المتسارع الذي أحرزه الجيش وحلفاؤه في المحاور البرية بالإقليم خلال الأيام الماضية، مما أدى إلى تراجع قوات الجماعة وتكبدها خسائر فادحة في العتاد والأرواح.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن المضادات الأرضية التابعة للجيش تصدت للهجوم الجوي المباغت على مدينة الأبيض وأسقطت المسيرات المعادية، التي قدر عددها بأربع، قبل أن تحقق أهدافها، إذ استهدف الهجوم مرافق مدنية وعسكرية شملت قيادة الفرقة الخامسة مشاة، ومنشآت حول المطار، فضلاً عن مقر يتبع لوزارة المالية، محدثاً دوي انفجارات عنيفة في أجزاء متفرقة من المدينة.
الجيش يصد هجوماً عنيفاً على النيل الأزرق
مسيرات تستهدف مطار عطبرة والجيش السوداني يتصدى
وأفادت شبكة أطباء السودان بأن القصف أسفر عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة 20 آخرين بجروح، إلى جانب إحداث حالة من الهلع الكبير وسط السكان والأسواق. في الوقت نفسه، أعلن الجيش إسقاط طائرة مسيرة استراتيجية بعيدة المدى من طراز FH–95 تابعة لـ”الدعم السريع” في منطقة الكوكيتي بشمال كردفان.
وظلت مدينة الأبيض، التي تعد مركزاً استراتيجياً وخط دفاع متقدماً للجيش في هذا الإقليم، خلال الأشهر الماضية عرضة لهجمات جوية تشنها طائرات مسيرة لـ”الدعم السريع”، تسببت في مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، وتدمير مرافق خدمية شملت مدارس وكليات جامعية، علاوة على مستشفيات.
ويأتي هذا الهجوم بالتزامن مع اشتعال القتال في مناطق واسعة من ولاية شمال كردفان، بعد أن أطلق الجيش وحلفاؤه منتصف الأسبوع الماضي عملية عسكرية تعد الأكبر منذ أشهر، مكنته من السيطرة على أكثر من 12 بلدة ومنطقة استراتيجية في الولاية، منها حمرة الوز، والجمامة، وقرية تنة، وإجبار “الدعم السريع” على التراجع نحو أقصى غرب الولاية، فضلاً عن قطع خطوط الإمداد الأخيرة الرابطة بين كردفان ودارفور.
نزوح آلاف المدنيين
إلى ذلك، تصاعدت حركة نزوح آلاف المدنيين الفارين من مناطق الاشتباكات البرية الأخيرة، مثل حمرة الشيخ وسودري، باتجاه الأبيض ومناطق أخرى، وسط تحذيرات أممية ومحلية شديدة من تدهور حاد في البنية التحتية، ونقص حرج في مياه الشرب والأغذية والأدوية الأساسية داخل الإقليم.
وقالت مجموعة محامو الطوارئ في بيان إنها “رصدت موجة نزوح واسعة للمدنيين من منطقة حمرة الشيخ التي تشهد حشوداً عسكرية ضخمة لقوات ‘الدعم السريع’ تعد الأولى من نوعها منذ بداية الحرب، مع انتشار القوات والآليات داخل المناطق السكنية ووسط المنازل، الأمر الذي دفع المدنيين إلى الفرار من مناطقهم؛ إذ اضطر بعضهم إلى البقاء في العراء، فيما توجه آخرون إلى منطقة أم سنطة بولاية شمال كردفان، ومدينة الدبة بالولاية الشمالية”.
وأدانت المجموعة الحقوقية التحشيد العسكري داخل المناطق السكنية؛ لما يمثله من خطر مباشر على حياة المدنيين وسلامتهم، خصوصاً في ظل عدم توفر حماية فعالة أو مساعدات إنسانية في المنطقة، مؤكدة أن وجود القوات والعمليات العسكرية بالقرب من السكان المدنيين يفرض على أطراف النزاع الالتزام الصارم بقواعد القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها حماية المدنيين والأعيان المدنية، والتمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين.
وطالبت في البيان بوقف العمليات العسكرية والهجمات التي تعرض المدنيين للخطر، وتجنب تنفيذ أي أعمال عسكرية داخل الأعيان المدنية أو في المناطق المأهولة بالسكان، فضلاً عن توفير الحماية للمدنيين والنازحين، وتأمين أماكن آمنة لإيوائهم، وتسهيل تنقلهم ووصولهم إلى مناطق آمنة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إليهم دون عوائق.
مسيرة استهدفت في وقت سابق مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)
استرداد 3 بلدات
في سياق متصل، تمكنت قوات العمل الخاص التابعة للفرقة 14 مشاة من استرداد مناطق دابري وكيقا تميرو والبطحاء، الواقعة شمال شرقي مدينة كادقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، والتي كانت في قبضة تحالف قوات “الدعم السريع” والحركة الشعبية-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو.
وبث أفراد من الجيش مقاطع فيديو من داخل المناطق الثلاث التي تمت السيطرة عليها، وهم يتوعدون القوات المعادية بملاحقتها والقضاء عليها في محور جنوب كردفان.
وتشير المعلومات إلى أن العملية أسفرت عن تدمير عدد من المركبات القتالية والاستيلاء على أخرى، فضلاً عن وقوع خسائر بشرية كبيرة في صفوف القوات المعادية.
وتكتسب السيطرة على هذه المناطق الثلاث أهمية خاصة بسبب موقعها ضمن المحاور الشمالية الشرقية لمدينة كادقلي، حيث تمثل السيطرة على المواقع المحيطة بها عاملاً مؤثراً في تأمين طرق الحركة وتقليص مساحة النشاط المسلح بالقرب من عاصمة الولاية.
ويأتي هذا التطور العسكري بعد تحول ميداني كبير شهدته مدينة كادقلي في فبراير (شباط) 2026، عندما تمكن الجيش والقوات المساندة له من فك الحصار عنها وفتح الطريق الرابط بينها وبين الدلنج، ثاني أكبر مدن الولاية، بعد سنوات من الإغلاق والقتال حول المنطقة.
مقتل متطوع
في جانب آخر، أكدت شبكة أطباء السودان مقتل أحد المتطوعين في العمل الإنساني داخل معتقلات “الدعم السريع” في سجن شالا بمدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد اعتقاله منذ سقوط المدينة، مما يمثل واحدة من حالات وفاة عديدة بين المحتجزين في معتقلات هذه القوات غير المعلنة، مشيرة إلى انقطاع التواصل بين المعتقلين وذويهم لنحو عام، بسبب منع المحتجزين من التواصل مع أسرهم.
طوابير من النساء والأطفال لتلقي مساعدات غذائية مجانية توزع في مخيم للنازحين قرب مدينة الأُبيض شمال كردفان (أ ف ب)
وقالت الشبكة، في بيان، إن قوات “الدعم السريع” اعتقلت أكثر من 3 آلاف شخص، موزعين بين سجن شالا وعدد من السجون والمنازل التي جرى استخدامها كمراكز احتجاز، إلى جانب تحويل مبانٍ تابعة لجامعة الفاشر إلى معتقلات، لافتة إلى أن الأوضاع الصحية والإنسانية للمحتجزين لا تزال مجهولة في ظل استمرار احتجازهم في معتقلات “الدعم السريع” بالفاشر.
وحملت الشبكة قوات “الدعم السريع” المسؤولية الكاملة عن سلامة وحياة المعتقلين، في ظل تردي الأوضاع الإنسانية والصحية داخل السجون ومراكز الاحتجاز، والتي قالت إنها تشهد انتشاراً للأوبئة والأمراض ونقصاً حاداً في الاحتياجات الأساسية، منوهة إلى ورود معلومات عن تعرض عدد من المعتقلين لحالات إغماء وسقوط متكرر، عازية ذلك إلى الإهمال وسوء المعاملة والتعذيب.
حرب السودان توسع دائرة التشرد وتفاقم أخطار الاستغلال
وطالب البيان المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية بالتحرك العاجل للضغط من أجل الكشف عن مصير جميع المعتقلين وضمان سلامتهم، والسماح للمنظمات الإنسانية والطبية بالوصول الفوري إلى أماكن الاحتجاز لتقييم الأوضاع الصحية وتوفير الرعاية الطبية والاحتياجات الأساسية.
كما دعا إلى الإفراج عن المدنيين المحتجزين تعسفياً، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات بحق المعتقلين.
مقتل 10 معدنيين
في الأثناء، لقي 10 أشخاص حتفهم وأصيب 21 آخرون، إثر انهيار 5 آبار للتعدين الأهلي في منطقة أوني شمال شرقي سوق الأنصاري بولاية البحر الأحمر، فيما لا يزال عدد من المعدنين مفقودين تحت الأنقاض.
وبحسب شهود، فإن فرق الإنقاذ لم تتمكن من انتشال جميع الجثامين بسبب الانهيار الكامل للآبار، بينما يستمر عمل الجرافات في محاولة لإنقاذ المفقودين وانتشال الجثامين.
وتأتي الحادثة بعد أيام من وفاة عشرات المعدنين إثر انهيار آبار للتعدين التقليدي بمنطقة الرقيق في ولاية غرب كردفان، فيما لا يزال مصير عشرات آخرين مجهولاً تحت الأنقاض.
ويعد التعدين الأهلي، رغم مخاطره المتمثلة في احتمال انهيار الآبار على المعدنين وغياب وسائل السلامة، مصدراً مهماً للدخل في السودان، إذ يعمل فيه آلاف الشباب، ويشكل أحد أبرز روافد الاقتصاد السوداني ومصادر إعالة الأسر في عدد من مناطق البلاد.
جهود السلام
سياسياً، عقد في القاهرة أمس الأحد اجتماعاً ثلاثياً ضم وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره السوداني محيي الدين سالم، وكبير مستشاري البيت الأبيض مسعد بولس، وتناول تطورات الأوضاع في السودان وجهود إنهاء النزاع.
وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان، إن اللقاء بحث سبل البناء على الجهود القائمة لخفض التصعيد وتهيئة الأجواء للتوصل إلى تسوية سياسية مستدامة، بما يلبي تطلعات الشعب السوداني ويحفظ مصالحه الوطنية.
وجاء هذا الاجتماع بعد ساعات قليلة من لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مدير وكالة الاستخبارات الأميركية في القاهرة، ونقله إليه التشديد المصري حيال وحدة وسلامة أراضي السودان وعدم المساس بما أسماها بالثوابت.
وتأتي هذه التحركات برعاية مصرية؛ حيث يسعى مستشار الشؤون الأفريقية والعربية في البيت الأبيض مسعد بولس إلى توقيع هدنة إنسانية مدتها 90 يوماً، قائلاً إنه لا حل عسكرياً في السودان.
في المقابل، بحث قادة التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة السودانية (صمود)، بقيادة رئيس وزراء السودان السابق عبد الله حمدوك، أمس الأحد، مع نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، أمينة محمد، سبل إنهاء الحرب في البلاد وتكثيف الجهود الدولية لوقف القتال وحماية المدنيين، وذلك بمقر الأمم المتحدة في نيويورك.
وقال التحالف، في بيان، إن اللقاء تناول التطورات الميدانية والإنسانية في السودان في ظل التداعيات الكارثية للحرب، مع التأكيد على ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المحتاجين دون عوائق.
وأشار البيان إلى أن وفد “صمود” أكد أهمية اضطلاع الأمم المتحدة بدور فاعل في توحيد وتنسيق الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى إنهاء الحرب، وربط المسارات الإنسانية والأمنية والسياسية ضمن عملية متكاملة لمعالجة جذور الأزمة.





