الجيش يقترب من حسم معركة شمال كردفان و”الدعم السريع” يتحصن في مدينة النهود


تتسارع التطورات العسكرية في ولاية شمال كردفان التي تشهد تصعيداً عسكرياً هو الأوسع منذ أشهر، إذ يواصل الجيش تقدمه البري الكبير نحو الشريط الغربي للولاية، واقترب من حسم معركة هذا المحور، إذ بات على بعد أمتار قليلة من مدينة سودري الاستراتيجية، آخر معاقل “الدعم السريع”، بحسب المتحدث باسم قوات العمل الخاص بغرب كردفان محمد ديدان، فيما تدفع قوات الجماعة بحشود وتعزيزات متبادلة لمحاولة كبح هذا التقدم.
وتأتي هذه التطورات بعد تحقيق اختراق ميداني كبير استعاد فيه الجيش السيطرة على أكثر من 17 منطقة والتقدم لمسافة 150 كيلومتراً في وثبة واحدة.
الجيش السوداني يقترب من سودري الاستراتيجية بكردفان
حشود وتعزيزات متبادلة في شمال كردفان والجيش يتقدم بالنيل الأزرق
الجيش السوداني يكثف عملياته ضد الدعم السريع شمال كردفان
وتقع سودري في أقصى شمال غرب ولاية شمال كردفان، وتمتد محليتها باتجاه ولايتي شمال دارفور والشمالية، ما يمنحها أهمية في التحركات العسكرية على هذا المحور.
في السياق، أكدت تقارير ميدانية تراجع عناصر “الدعم السريع” من محاور القتال بشمال كردفان إلى مدينة النهود بولاية غرب كردفان، وآخرين نحو مناطق في ولاية شرق دارفور.
وأشارت تلك التقارير إلى قيام قوات الجماعة بحفر خندق وتشييد حواجز ترابية في محيط مدينة النهود، وذلك في اتجاه البوابة الشمالية للمدينة، خاصة أنها عززت في الأيام الماضية وجودها داخل المدينة من خلال حشد المقاتلين والعتاد العسكري.
“حميدتي” في الصفوف الأمامية
في الأثناء، حث قائد قوات “الدعم السريع”، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، قواته على التعامل مع المعارك بمسؤولية وعدم التصوير بالهواتف في جبهات القتال.
وقال لدى مخاطبته متحركاً من قواته، وفقاً لمقطع فيديو بثته على منصتها في “تيليغرام”، إنه سيتقدم الصفوف الأمامية ولن يكون في الخلف، مؤكداً أن الكلام أصبح للبندقية، وأن الحرب ممارسة وليست رجالة.
ودعا “حميدتي” جنوده إلى عدم قتل الأسرى، وأضاف قائلاً: “سيكتب لكم النصر إن ترفقتم بالمساكين”. وتعهد بالالتزام بحقوق الضحايا والمصابين وسط قواته.
موجة نزوح
إلى ذلك، أدت عمليات الحشد العسكري لقوات “الدعم السريع” داخل منطقتي أم بادر وحمرة الشيخ بولاية شمال كردفان والمناطق المحيطة بهما إلى موجات نزوح واسعة خلال الأيام الماضية.
وبحسب مصادر محلية، فإن النازحين توجهوا إلى مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان، إلى جانب مناطق بالولاية الشمالية ومحلية أم درمان في ولاية الخرطوم.
في حين، أفادت فرق الرصد الميداني التابعة للمنظمة الدولية للهجرة بنزوح نحو 3,650 شخصاً من مدينة أم بادر خلال الفترة بين 20 و22 سبتمبر (أيلول) الحالي، على خلفية تدهور الوضع الأمني.
ووفق بيانات المنظمة، توجه النازحون إلى محلية شيكان بولاية شمال كردفان، وإلى محلية أم درمان.
تقدم ميداني
في سياق متصل، حقق الجيش والقوات المساندة له أمس الثلاثاء تقدماً ميدانياً جديداً في إقليم النيل الأزرق، وسط استمرار المعارك العنيفة والغارات الجوية المتبادلة ضد قوات “الدعم السريع” والمليشيات المتحالفة معها.
ووفقاً لتقارير، فإن الجيش تمكن من الاستيلاء على كميات من الأسلحة والذخائر، إضافة إلى تدمير مركبات عسكرية تابعة للدعم السريع.
وجاء هذا التقدم امتداداً لعمليات نوعية وكمائن ناجحة نفذتها الفرقة الرابعة مشاة التابعة للجيش خلال الساعات الماضية في مناطق مغجة وجنوب الكيلي، أسفرت عن تكبيد القوات المهاجمة خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، في وقت يواصل فيه الدفاع الجوي للجيش التعامل مع التهديدات الجوية؛ إذ نجح أخيراً في إسقاط طائرات مسيّرة استراتيجية بعيدة المدى كانت تستهدف استطلاع مواقع الجيش أو قصف مناطق حيوية مثل الدمازين والكرمك.
أوضاع قاسية
في المقابل، يعاني نازحو منطقة الكرمك المتاخمة للحدود مع إثيوبيا، بخاصة القادمين من الكيلي وخور حسن والقرى المجاورة، أوضاعاً إنسانية صعبة، وسط نقص حاد في الغذاء ومياه الشرب ومواد الإيواء.
وأظهرت مقاطع فيديو متداولة في مواقع التواصل الاجتماعي نساءً وأطفالاً وكبار السن في ظروف معيشية قاسية، بينهم من يتناولون أوراق الأشجار، فيما يفترش آخرون العراء في ظل الأمطار وتقلبات الطقس.
وأشار ناشطون محليون إلى أن الأوضاع تتطلب تدخلاً إنسانياً عاجلاً لتوفير الغذاء ومياه الشرب والأدوية ومواد الإيواء، مع إيلاء الفئات الأكثر ضعفاً حماية ومساعدة إضافية.
وتحول إقليم النيل الأزرق في الشهور الأخيرة إلى بؤرة صراع مشتعلة تصاعدت فيها العمليات العسكرية بين الجيش من جهة، وقوات “الدعم السريع” والحركة الشعبية–شمال من جهة أخرى، خصوصاً في مناطق الكرمك وقيسان وما حولهما، ما أدى إلى موجات متتالية من النزوح.
وكانت مبادرة المجتمع المدني بإقليم النيل الأزرق قد حذرت في وقت سابق من تدهور الأوضاع الإنسانية والصحية لنحو 42 ألف نازح في محافظة قيسان والمناطق الحدودية مع إثيوبيا، مشيرة إلى نقص حاد في الغذاء والمياه والمأوى والرعاية الصحية، وسط صعوبات تواجه وصول المساعدات والخدمات الأساسية.
الجيش يصعد هجومه الجوي بدارفور ويخوض معارك ضارية قرب النهود
وسجلت المنظمة الدولية للهجرة نزوح نحو 99,277 شخصاً من مناطق مختلفة في النيل الأزرق بين 11 يناير (كانون الثاني) و23 أغسطس (آب) 2026، بينهم 39,570 شخصاً نزحوا من محافظة قيسان، و32,515 من الكرمك، و27,192 من باو. وتوجه الجزء الأكبر من النازحين إلى الدمازين وقيسان وباو وود الماحي والروصيرص.
غارات على نيالا
أما في محور دارفور، فواصل سلاح الجو التابع للجيش أمس الثلاثاء (لليوم الثاني على التوالي) غاراته الجوية العنيفة على مواقع وتجمعات قوات “الدعم السريع” في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور.
وأكدت مصادر عسكرية أن الغارات ركزت على مقار عسكرية ومخازن أسلحة وذخائر وناقلات وقود تابعة لقوات الجماعة، فضلاً عن منازل يقطنها قادة في “الدعم السريع” بأنحاء متفرقة من المدينة، لافتة إلى أن الأخيرة منعت حركة المواطنين في المناطق التي تعرضت للقصف، خصوصاً في منطقة وسط المدينة.
وأفاد سكان بأن القصف كان عنيفاً وتسبب في سماع انفجارات متتالية هزت أجزاء واسعة من نيالا، بينما شوهدت سيارات إسعاف تتحرك بصورة عاجلة باتجاه المستشفى التركي ومستوصف أوناكيرا، وسط حالة من الهلع بين السكان.
وتأتي هذه الضربات امتداداً لهجمات سابقة تعرضت لها المدينة بواسطة مسيّرات الجيش التي ظلت تهاجم مواقع “الدعم السريع” داخل نيالا، بعد أن تحولت إلى مركز رئيس للعمليات العسكرية والإدارية للقوات المعادية في إقليم دارفور.
وتكتسب نيالا أهمية استراتيجية كونها أكبر مدن دارفور وثاني أكبر مدن السودان، وتضم مطاراً يُعتبر شريان إمداد رئيسياً لقوات “الدعم السريع” في الإقليم.
وتأتي الغارات في إطار تصعيد الجيش لعملياته الجوية الهادفة إلى قطع خطوط الإمداد عن قوات الجماعة في دارفور، بالتزامن مع تقدم الجيش في محاور كردفان وسيطرته على مناطق عدة في شمال كردفان.
استهداف رتل
في المنحى ذاته، أفادت مصادر ميدانية بقيام طيران الجيش بتنفيذ ضربة جوية استهدفت رتلاً من الشاحنات على الطريق الرابط بين مدينتي الكومة والفاشر الواقعتين في ولاية شمال دارفور.
وأوضحت المصادر أن الشاحنات المستهدفة كانت محملة بإمدادات في طريقها إلى مناطق تخضع لسيطرة قوات “الدعم السريع”، قبل أن تتعرض للقصف الجوي، حيث أسفرت العملية عن تدمير وإحراق 8 شاحنات.
ويأتي هذا الاستهداف في ظل استمرار العمليات العسكرية على عدد من المحاور في دارفور، إذ تمثل طرق الإمداد أهمية كبيرة في حركة القوات والمركبات والوقود والذخائر بين المناطق المختلفة.
ويُعد الطريق الممتد بين الكومة والفاشر من المسارات المهمة بالنسبة إلى الأخيرة، كونها عاصمة ولاية شمال دارفور، إذ شهدت خلال الفترة الماضية تطورات عسكرية وأمنية متلاحقة.





