تراجع وتيرة المعارك البرية وتواصل التحشيد والغارات في كردفان

شهد الوضع العسكري الميداني في السودان أمس الأربعاء انخفاضاً في وتيرة العمليات العسكرية البرية في محورَي شمال كردفان والنيل الأزرق بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع”، بعد التقدم الذي حققه الأول على جبهات عدة بالمحورين خلال الأيام الماضية.

ومع الهدوء الحذر الذي ساد محور كردفان أمس، تواصل تدفق التعزيزات العسكرية الكبيرة للجيش في مناطق غرب بارا وسودري غرب الولاية، في وقت أعادت فيه “الدعم السريع” تجميع عناصرها في مناطق بينها حَمْرة الشيخ، وسودري، وبعض النقاط الممتدة نحو غرب كردفان، وفق مصادر ميدانية.

هل تؤدي حرب السودان إلى تفكك هذه الدول قريبا؟

إسراء الشاهر تكتب: موظفو السودان وفقد المكانة الاجتماعية في زمن حرب

ومن ضمن التعزيزات وصل قائد قوات “درع السودان”، اللواء أبوعاقلة كيكل، إلى كردفان، مع عدد من المتحركات للمشاركة في معارك ومواصلة التحرك البري نحو غرب كردفان.

وتزامناً مع الحشد والتجميع في كردفان شنت مسيرات الجيش غارات عنيفة على مواقع وتجمعات تابعة لـ”الدعم السريع” في منطقة منجم “فوجا” للذهب، عقب اقتحامها سوق المنطقة التي تُعد إحدى أكبر مناجم الذهب في غرب كردفان، والقيام بأعمال نهب واسعة فيه.

وأوضحت غرفة طوارئ “دار حمر” أن قوات “الدعم السريع” داهمت أمس الأربعاء، منطقة “ود أبوساق” التابعة لمحلية النهود، واعتقلت عدداً من أبناء المنطقة تزامناً مع انقطاع شبكات الاتصالات والإنترنت الفضائي في المنطقة، مما حال دون التواصل مع السكان ونقل ما يجري. ودعت الغرفة المنظمات الحقوقية والإنسانية إلى رصد وتوثيق ما وصفته بالانتهاكات، والعمل على حماية المدنيين في المنطقة.

نزوح أم بادر
في الأثناء تواصلت عمليات النزوح من منطقة “أم بادر” التابعة لمحلية سودري بولاية شمال كردفان.

وقدّرت “منظمة الهجرة الدولية” نزوح نحو 3650 شخصاً من المنطقة خلال يومي الـ20 إلى الـ22 من سبتمبر (أيلول) الجاري، على خلفية تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

وأوضحت مصفوفة النزوح التابعة للمنظمة، في تنبيه عاجل أن فرقها الميدانية رصدت حركة النزوح من “أم بادر”، في اتجاه محلية شيكان في شمال كردفان ومدينة أم درمان في ولاية الخرطوم.

وصفت المنظمة الوضع في المنطقة بأنه لا يزال متوتراً وشديد التقلب، مؤكدة استمرار فرق المصفوفة في مراقبة التطورات ورصد حركة النزوح وتنقل السكان.

وتقع “أم بادر” في الجزء الجنوبي الغربي لمحلية سودري بولاية شمال كردفان، قرب الحدود مع ولاية شمال دارفور، كما تبعد من الناحية الأخرى نحو 320 كيلومتراً غرب العاصمة الخرطوم، وهي منطقة تتداخل فيها البيئات الصحراوية والسافانا في السودان.

وتشهد ولاية شمال كردفان تطورات عسكرية وتصعيداً واسعاً في العمليات الحربية أثناء مواصلة الجيش تقدمه البري الكبير نحو الشريط الغربي للولاية، وبات قريباً من بسط سيطرته على كامل أراضي الولاية، عقب وصوله إلى مشارف مدينة سودري الاستراتيجية، آخر معاقل “الدعم السريع” بشمال كردفان.

قصف ونزوح
في دارفور أكدت مصادر عسكرية أن مقاتلات الجيش جددت ضرباتها الجوية ضد قوافل إمدادات تابعة لـ”الدعم السريع” في محور الصحراء على الحدود جنوب شرقي ليبيا، للمرة الثالثة على التوالي.

وواصل الطيران الحربي غاراته على مدينة نيالا عاصمة جنوب دارفور، ومقر حكومة “تأسيس” (الموازية) دمر خلالها منظومة للدفاع الجوي وأخرى للتشويش وأحدث خسائر فادحة وسط أطقمها البشرية، وفق مصادر عسكرية.

وتأتي هذه الضربات امتداداً لهجمات جوية ومسيرة سابقة ومتكررة ظل الجيش يستهدف بها مواقع “الدعم السريع” ومستودعات إمداداته داخل المدينة، بعدما تحولت إلى مركز رئيس للعمليات العسكرية والإدارية للقوات المعادية في إقليم دارفور.

الضغط على طويلة
على الصعيد الإنساني أعلنت المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين عن وصول 121 أسرة جديدة، تضم نحو 605 أشخاص، إلى منطقة طويلة بشمال دارفور خلال الـ21 والـ22 من سبتمبر الجاري، ليرتفع إجمال الوافدين منذ بداية الشهر إلى 634 أسرة، تضم نحو 3407 أشخاص.

وأشار تحديث للمنسقية إلى أن معظم النازحين من فئات النساء والأطفال وكبار السن، تعرضوا للنزوح المتكرر من مناطق عدة في شمال دارفور قبل وصولهم إلى محلية طويلة، إثر تدهور الأوضاع الإنسانية، ونقص الغذاء والدواء والمياه النظيفة والمأوى والخدمات الصحية.

وحذر تحديث المنسقية من أن غياب شبكات الصرف الصحي والمراحيض الآمنة يجبر الأسر على قضاء حاجاتهم في العراء، مما يفاقم خطر انتشار الأوبئة مثل الإسهالات الحادة والكوليرا والتيفوئيد.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم المنسقية، آدم رجال، أن “التدفقات المستمرة تعكس الاتساع الكبير لرقعة النزوح وتفاقم الأزمة الإنسانية في ظل الحرب والجفاف والمجاعة ونقص المساعدات، وغياب الاستجابة الدولية الفاعلة”.

وطالب المتحدث الرسمي بتحرك فوري من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية لتوفير الغذاء والدواء والمياه والمأوى، وبناء مرافق صحية عاجلة، قبل أن تتحول طويلة إلى بؤرة وبائية تهدد حياة آلاف الأسر.

وصول مساعدات
ودخلت الأسبوع الماضي نحو 60 شاحنة محملة بالمساعدات الإنسانية إلى مناطق عدة في شمال دارفور عبر معبر الطينة الحدودي مع تشاد، عقب استئناف الأنشطة الإنسانية في المعبر.

وأفاد متطوعون بأن عشرات الشاحنات التابعة لبرنامج الأغذية العالمي وصلت عبر المعبر الحدودي إلى محليات الطينة، وكرنوي، وأمبرو، وجرى تفريغها في منطقة مزبد الصحراوية، بينما توجهت شاحنات أخرى نحو محليات كتم وسرف عمرة وكبكابية وكفوت.

النيل الأزرق
في محور النيل الأزرق، حافظ الجيش على وتيرة تقدمه شرق محافظة الكرمك الحدودية، وسط استمرار المعارك المتقطعة والغارات الجوية والمسيرة المتبادلة مع “الدعم السريع” وحليفتها “الحركة الشعبية – شمال” بقيادة جوزيف توكا.

ونفذت الخلية الأمنية بالإقليم حملة أمنية مباغتة داخل سوق مدينة الدمازين، أسفرت عن ضبط متورطين كبار في ممارسات تخريبية وعمليات مضاربة واسعة النطاق في السلع والمواد الغذائية الأساسية.

خطاب السودان
دبلوماسياً، يُنتظر أن يلقي وزير الخارجية السوداني، محيي الدين سالم، اليوم الخميس، خطاب السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81 في نيويورك، وذلك عقب رفض واشنطن منح تأشيرة دخول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، برغم محاولات الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الضغط على الإدارة الأميركية لمنح تأشيرة الدخول لرئيس دولة عضو بالمنظمة الدولية.

وكانت الخارجية الأميركية قد أعلنت أن الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” لا يمثلان حكماً دستورياً شرعياً بالسودان، مؤكدة استعداد الولايات المتحدة والرئيس دونالد ترمب لدعم خطة للسلام بالسودان.

وأكد بيان للمتحدث الرسمي باسم الخارجية الأمريكية، تومي بيغوت، التزام الرئيس ترمب إنهاء أسوأ أزمة إنسانية في العالم نجمت عن الحرب في السودان، معرباً عن الأسف لعدم تقديم الجيش ولا “الدعم السريع” التزامات جادة بهدنة فورية، بل ذهبتا عكس ذلك إلى مضاعفة العمليات القتالية وهجمات الطائرات المسيّرة التي تقتل المدنيين.

وشدد بيغوت على أن “لا الجيش ولا ’الدعم السريع‘ ولا قادة أي منهما يعتبر حكماً شرعياً ودستورياً للسودان، فهم يحكمون بقوة السلاح وحدها، وتجعل تصرفات كل قائد من قادة الفصائل المتحاربة هؤلاء القادة غير مؤهلين لحكم البلاد”.

أضاف البيان “طلبنا مراراً من الطرفين قبول هدنة إنسانية بصيغتها المطروحة، من دون شروط مسبقة، والتزام حوار سياسي شامل يفضي إلى الانتقال إلى حكومة مدنية. وهذه خطوات أساسية لتحقيق سلام دائم في السودان”، مشيراً إلى استعداد الولايات المتحدة والرئيس ترمب للعمل مع أي طرف يشكل شريكاً جاداً لتحقيق السلام في السودان”.

في المقابل رفضت الحكومة السودانية بشدة البيان الأميركي مؤكدة تمسكها بسيادتها الوطنية، داعية واشنطن إلى التعاطي الإيجابي معها وفق ما ورد في بياناتها السابقة التي أكدت فيها احترام السودان وسيادته.

وشدد بيان للخارجية السودانية على أن “أي مبادرة للسلام يُراد لها النجاح والاستدامة ينبغي أن تنطلق من احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية الشرعية، وأن تعالج الأسباب التي أدت إلى استمرار الحرب، وفي مقدمها التدخل الخارجي السالب”.

وأضاف البيان أنه “يتعين ألا تتحول أي عملية سياسية أو تفاوضية إلى وسيلة لإضفاء الشرعية على واقع أوجدته القوة المتمردة، أو مكافأة التمرد على جرائمه في حق المدنيين والدولة ومؤسساتها الشرعية، ومساواة التمرد بها”.
وأكدت الخارجية تطلع الشعب السوداني إلى سلام عادل ودائم ينهي وجود الميليشيات خارج إطار الدولة، ويضمن حصرية السلاح بمؤسسات الدولة الشرعية، ويهيئ الظروف لعملية سياسية سودانية خالصة تلبي تطلعات الشعب السوداني في الديمقراطية والسلام والعدالة، وتحفظ وحدة البلاد وسيادتها.

وشددت الحكومة على أن السلام يظل خيارها وغايتها الاستراتيجية، مجددة استعدادها “للتعاطي الإيجابي والمسؤول مع واشنطن وسائر الشركاء الإقليميين والدوليين، ومنهم السعودية، وقطر، ومصر، وروسيا، والصين، وتركيا، وباكستان، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، والمجموعة الأفريقية لمجلس الأمن”.

تحركات مدنية
إلى ذلك بحث وفد القوى المدنية السودانية الذي يزور نيويورك هذه الأيام بقيادة رئيس الوزراء السابق، عبدالله حمدوك، مع وزير الدولة للخارجية النرويجي، أندرياس كرافيك، تداعيات الحرب في السودان وما خلفته من كارثة إنسانية غير مسبوقة.

ودعا الوفد السوداني النرويج إلى أداء دورها المحوري في توفير المساعدات الإنسانية والتوصل إلى هدنة إنسانية من دون شروط، تزامناً مع إطلاق عملية سياسية شاملة تخاطب جذور الأزمة الوطنية وتنهي الحرب وتحقق سلاماً دائماً، وتعيد وضع البلاد في مسار الانتقال لحكم مدني ديمقراطي مستدام.

أممياً حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من تصاعد العنف وتفاقم النزوح وانعدام الأمن الغذائي في السودان مع استمرار القتال في ولايات عدة.

وأفاد “أوتشا” في تحديث جديد أن المعارك في شمال وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشمال دارفور تواصل دفع آلاف المدنيين إلى النزوح خلال الأسبوع الماضي، بينما تعرضت مدينة الأبيض لهجمات بطائرات مسيرة في الـ20 والـ21 من الشهر الجاري.

وأشار برنامج الأغذية العالمي إلى ارتفاع كلفة سلة الغذاء المحلية بنسبة 13 في المئة مقارنة بالشهر الماضي، في مؤشر إلى اتساع موجة الغلاء التي تضرب الأسواق وتزيد معاناة الأسر في مناطق النزاع.




جمال عبد القادر البدوي

جمال عبد القادر البدوي صحافي وكاتب سوداني مهتم بالشؤون السودانية ويكتب في ملف النزاع السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.