لكل دولة محددات ترسم حدود استطاعتها وفق المعطيات التي تحيط بها، ولا تشكل هذه المحددات أكثر من إطار تتحرك داخله إرادة الدولة وتحاول توسيعه؛ مما يعني أن المحددات لا تمثل خطرا في حد ذاتها مهدداً لأي دولة. ولكن في الحالة السودانية يسقط هذا المبدأ، فتبدو المُحدّدات مُهدِّدات بالغة الخطورة.
سأضرب مثالين يضعان الفكرة في قالب عملي ملموس:
الأول: واحد من أكبر مُحدّدات الدولة السودانية هو موقعها الجيوسياسي (الجيوبوليتيكي). فالسودان تحيط به سبع دول بجوار قاري متصل، والثامنة بجوار بحري لا يقل أهمية وحساسية عن الاتصال البري.
عثمان ميرغني يكتب: الاقتصاد السوداني.. المفترى عليه..
عثمان ميرغني يكتب: متى تنتهي التهيئة؟ ثم الحوار؟
عثمان ميرغني يكتب : مراحل..
هذا الموقع هو من مُحدّدات الأمن القومي السوداني، ويفرض على الدولة منطلقات وقيودا أقرب إلى كونها دائمة، مما يجعل دراستها والعمل بموجبها بندا ثابتا في السياسة الداخلية والخارجية السودانية.
لكن في الواقع؛ ما هو أستاتيكي ثابت بطبيعته — أي الموقع الجيوسياسي — يبدو في الحالة السودانية ثقباً أسود مجهول التكوين والعواقب.
الموقع الجيوسياسي في الحالة السودانية هو حصيلة خوارزميات معقدة ومجهولة الخواص بصورة لا تسمح حتى ببناء سياسة ثابتة أو متغيرة بمنطق معقول؛ ليس لأنه متغير في ذاته، بل لأن تكوينه — سودانياً — هو المتغير.
الثاني: يتمدد المثال للمُحدّدات المتصلة بالتكوين السكاني لأي دولة، بطبيعة التراكم التاريخي الجيني والنفسي لمواطنيها. لكن في الحالة السودانية يبدو هذا المحدد بلا عنوان واضح أو قاموس لتفسيره.
المُهدِّدات التي تشكلها هذه المُحدّدات ترتقي خطورتها لمستوى يهدد الدولة السودانية بالفناء الذاتي، الناتج عن القصور في معالجة الخلل الهيكلي.
ويصبح السؤال إذاً: كيف نعالج هذا الخلل؟
الخطوة الأساسية تبدأ بهيكلة الدولة وظيفيا، لتتمكن من تكوين “العقل المركزي” الذي يدير الدولة.
“العقل المركزي” للدولة معنيٌ بوظيفتين:
* التخطيط الاستراتيجي.
* ضبط الإيقاع الوظيفي: بما يحقق أعلى درجات الانسيابية في الموازنة بين السلطات والمهام (السلطات الممنوحة لمكونات الدولة في مقابل المهام المطلوبة منها).
“العقل المركزي” لا يعني المؤسسات (Hardware) وحدها، بل والتشريعات (Software) التي تربط بينها.

