عثمان ميرغني يكتب: كيف نضمن الاتفاق في الحوار؟

في سياق “تهيئة” الحوار السوداني، ربما نحتاج إلى إعادة تعريف معنى “الحوار” حتى يسهل للخبراء تقديم الوصفة الضرورية لصناعة حوار بناء ومنتج.
فالحوار –في تقديري– ليس تلك العملية التي تسمح لمجموعات بأن تجتمع على صعيد واحد، وجهاً لوجه أو افتراضيا، لطرح آراء ثم التداول فيها بقصد الوصول إلى اتفاق؛ بل هو أكثر من ذلك بكثير، إذ يجدر أن يكون “الحوار” عملية متصلة لبناء تراكمي في الحيز الزمني المتوافق عليه.

عثمان ميرغني: الكرة في ملعب السياسيين لتغيير الواقع

عثمان ميرغني يكتب: المُحدّدات.. المُهدِّدات

عثمان ميرغني يكتب: الاقتصاد السوداني.. المفترى عليه..

بعبارة أخرى، إذا كانت هناك عشر قضايا مثارة في الفضاء العام، واتفق المتحاورون على خمس منها واختلفوا على الخمس الباقيات، فإن تعريف الحوار يعني عمليا تنفيذ المتفق عليه، وتجميد المختلف عليه، وإبقائه قيد النظر. فإذا توافق الجميع لاحقا على واحدة من القضايا الخمس المختلف عليها، تلحق بالآخريات ويستمر النظر فيما تبقى من قضايا.

هذا الترتيب لا يعني تجزئة الحلول، بل أقصد به الاختلاف على الموضوع والاتفاق على الزمن؛ أن يدرك الجميع أن عدم الاتفاق على موضوع في الوقت الراهن لا يعني إسقاطه كليا، بل معالجته زمانيا بمزيد من القيمة المضافة مع تبدل الظروف أو الأفهام.
بهذا المفهوم، يصبح تعريف الحوار: “تلك العملية المستمرة التي تضمن الاتفاق الكامل على كل ما يُطرح مع مراعاة فروق الوقت”.

وسأضرب مثالا متسقا مع الأزمة السياسية السودانية:
لنفرض أن طرفين -فقط- من المشاركين في الحوار السوداني طرحا مناصفة 6 قضايا رئيسية (3 لكل طرف)، لكن أطراف الحوار اتفقت على 3 قضايا من طرف واحد، بينما لم تقبل بما طرحه الطرف الثاني. عادة مثل هذا الأمر يؤدي إلى تعميق الخلافات، بل ربما استثارة الاتهامات باستهداف الطرف الذي لم تُقبل مقترحاته؛ لأن المفهوم -الراهن- للحوار هو أنه عملية لها بداية وصافرة نهاية، وبمجرد انتهاء آخر جلسة في المؤتمر تبدأ معركة جديدة من الأطراف التي لم تجد مقترحاتها قبولا لدى المؤتمرين، حيث يُفسر عدم القبول بأنه “هزيمة” وليس مجرد اختلاف في الرأي.

لكن بالمفهوم –الجديد– الذي طرحته هنا، لا تُفسر المسألة قبولا ورفضا، أو نصرا لمن تقبل مقترحاته وهزيمة لمن ترفض أجندته؛ بل هي مرحلة لتنفيذ مقترحات وإرجاء أخرى دون تحديد قيد زمني صارم.
وليس في ذلك محاولة لتسوية أو ترضية خارج السياق الموضوعي، بل هي افتراضات تتبنى أن ما قد لا يصلح اليوم، ربما يصلح مع تغير الزمان والأحوال.

بما يجعل الحوار مستمرا حتى بعد انقضاء المؤتمر، فالقضايا محل النظر ليست مباراة لكرة القدم تُحسب الأهداف فيها بقيدها الزمني خلال التسعين دقيقة صافية، بل تستمر المباراة بلا أجل أو صافرة نهاية؛ بعبارة أخرى: بلا منتصر وخاسر.




عثمان ميرغني

كاتب وصحافيّ سوداني، خريج جامعة الخرطوم في كلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية، بمرتبة الشرف في العلوم السياسية عام 1977. وبدأ حياته المهنية بصحيفة (العرب) ، و يعمل رئيساً لتحرير صحيفة التيار السودانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.