احتدام المواجهات في النيل الأزرق والجيش يدفع بتعزيزات قتالية

يسير الوضع العملياتي في محاور القتال المختلفة في السودان نحو تصعيد عسكري لافت وتوسيع لمحاور الاشتباكات، تخلله قصفاً جوياً متبادلاً، فضلاً عن الدفع بتعزيزات جديدة وإعادة تموضع ميداني للجيش بمواجهة قوات الدعم السريع بخاصة في إقليمي النيل الأزرق وكردفان.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن الجيش واصل أمس السبت شن غارات جوية عنيفة عبر الطائرات المسيرة لليوم الثالث على التوالي على مواقع تابعة لقوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو، في مدينتي الكرمك ومينزا بإقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، في إطار العمليات العسكرية المتواصلة على جبهات القتال بالإقليم.
الجيش يصعد غاراته في شمال وغرب كردفان وقتلى بالنيل الأزرق
الجيش السوداني يخوض معارك حاسمة قرب الجنينة والنيل الأزرق
وأشارت المصادر إلى أن الغارات أسفرت عن تدمير عدد من المركبات القتالية بكامل عتادها وإيقاع خسائر في صفوف القوات المستهدفة التي كانت تستعد لمهاجمة دفاعات الجيش المتقدمة. وبينت أن الغارات هدفها أيضاً تدمير القوة الصلبة للقوات المعادية وتشتيتها ومنعها من تعزيز مواقعها والاستعداد لشن هجمات جديدة.
كذلك تمكنت الدفاعات الجوية للجيش من إسقاط مسيرة استراتيجية معادية تابعة للدعم السريع في المحور نفسه. ووفقاً لمصادر الجيش، فإن المسيرة جرى رصدها بدقة عالية لحظة اختراقها للأجواء قادمة من جهة الحدود الإثيوبية جنوب النيل الأزرق. وتعاملت معها القوات الجوية وفق الخطط والوسائط القتالية المعتمدة.
تعزيزات جديدة
في حين، دفعت قيادة سيطرة عمليات النيل الأزرق والفرقة الرابعة مشاة بالجيش بالكتيبة الاحتياطية الأولى إلى محاور القتال بالإقليم لتعزيز القوات ودعم الواجبات الميدانية.
وأوضح المكتب الإعلامي للفرقة الرابعة مشاة، في بيان، أن قائد سيطرة عمليات النيل الأزرق اللواء الركن الوليد عبدالقادر عجبنا، ودع الكتيبة المتوجهة إلى محاور العمليات، وسط معنويات عالية واستعداد ميداني لتنفيذ المهام الموكلة إليها. وتابع، “تحرك الكتيبة يأتي في إطار جهود تعزيز القوات بالمحاور ودعم تنفيذ الواجبات الميدانية، بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار بالإقليم”.
ويخوض الجيش والقوات المساندة له منذ شهر معارك في مواجهة قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها في محور النيل الأزرق الذي يعد شريطاً حدودياً استراتيجياً مع إثيوبيا وجنوب السودان، ويتبادل الطرفان السيطرة على مناطق بالإقليم بشكل متكرر.
نزوح متواصل
وتسبب القتال المستمر في أزمة إنسانية وصحية مع نزوح آلاف المدنيين من مناطق التماس وتضرر البنية التحتية للخدمات الأساسية، حيث أفادت المنظمة الدولية للهجرة بنزوح مئات الأسر من قرى بمحافظة ود الماحي إلى محافظة الروصيرص بسبب تدهور الأوضاع الأمنية.
كما سجلت موجات نزوح أخرى من مناطق مثل الكرمك وقيسان وبلدات جبل النمر ومينزا نحو مناطق أخرى داخل الإقليم، في وقت يواجه آلاف النازحين انعداماً شبه تام للخدمات الضرورية، بخاصة انهيار خدمات المياه والصرف الصحي، إضافة إلى نقص حاد في الغذاء، ومواد الإيواء، والأدوية المنقذة للحياة مثل مستلزمات مرضى السكري والأمراض المزمنة.
بينما أكدت السلطات المحلية ومفوضية العون الإنساني أن حجم النزوح والحاجات يفوق بكثير القدرات والإمكانيات المتاحة لدى المنظمات الإنسانية والوكالات الأممية العاملة على الأرض، ووجهت حكومة الإقليم نداءات عاجلة للمنظمات الدولية والأمم المتحدة للتدخل الفوري وحماية المدنيين ووقف استهداف مخيمات النزوح.
تصعيد عنيف
في الموازاة شهد محور كردفان موجة تصعيد عسكري واسعة النطاق وعنيفة جداً يقودها الجيش، تشمل غارات جوية مكثفة وهجمات بالطائرات المسيرة وقصفاً مدفعياً يطاول تجمعات وخطوط إمداد قوات الدعم السريع في ولايات كردفان الثلاث (الشمال والغرب والجنوب).
وأفاد مرصد كردفان بمقتل أربعة مدنيين من أسرة واحدة، بينهم طفلان، في قصف بطائرة مسيرة تابعة للجيش استهدف مدينة غبيش بولاية غرب كردفان، فضلاً عن مقتل 12 شخصاً وإصابة ثمانية آخرين في هجوم مماثل استهدف مدينة النهود.
وأشار المرصد، في بيان، إلى أن القصف استهدف حياً سكنياً وأن غبيش من المناطق المأهولة بالسكان التي لم تشهد قتالاً، وتؤوي آلاف النازحين الفارين من مناطق النزاع في إقليمي كردفان ودارفور.
كما أوضح المرصد أن الهجمات بالطائرات المسيرة استهدفت مدينة النهود بصورة متتالية على مدى نحو أسبوع، وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين. ودان الهجمات التي تستهدف المناطق السكنية ومواقع إيواء النازحين، داعياً أطراف النزاع إلى وقف الهجمات التي تعرض المدنيين للخطر، والالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني.
قصف مدفعي
في الأثناء، قُتل أمس السبت خمسة أفراد من أسرة واحدة، بينهم أم وثلاثة من أطفالها ووالدتها نتيجة قصف مدفعي شنته الحركة الشعبية شمال استهدف مدينة كادوقلي بولاية جنوب كردفان، وذلك بعد فترة من الهدوء شهدتها المدينة.
ودانت شبكة أطباء السودان، القصف المدفعي على مدينة الدلنج واعتبرته انتهاكاً جديداً للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر استهداف المناطق السكنية والمدنيين، فضلاً عن أنه يعكس الحجم المأساوي للخسائر البشرية الناتجة عن استهداف الأحياء السكنية داخل المدينة.
ونوه البيان إلى أن استهداف المدنيين بالقصف العشوائي يمثل جريمة مدانة ومخالفة صريحة للمواثيق الدولية، ويزيد من معاناة السكان الذين يعيشون أوضاعاً إنسانية وأمنية بالغة التعقيد.
وحملت الشبكة قوات الحركة الشعبية المسؤولية الكاملة عن هذا الهجوم، مطالبة بوقف استهداف المدنيين بصورة فورية، واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني التي تلزم أطراف النزاع بحماية الأرواح والممتلكات المدنية.
وتتعرض مدينة الدلنج لقصف مستمر أدى إلى مقتل عشرات المدنيين خلال الأشهر الأخيرة، وسط انقطاع عن شبكات الإنترنت والكهرباء وتوقف محطات المياه.
وتمكن الجيش من فك الحصار جزئياً عن مدينة الدلنج خلال يناير (كانون الثاني) الماضي وفتح طريق يربطها بمدينة كادوقلي، غير أن قوات الدعم السريع تهاجم الطريق من وقت إلى آخر.
توترات ومجاعة
أما في محور دارفور، فقد شهدت مناطق غرب دارفور بخاصة منطقة بئر سليبة توترات ومعارك برية وتحركات للقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة وقوات الجيش ضد محاولات وتمركزات قوات الدعم السريع، مع إعلان الجيش أخيراً عن مرحلة جديدة من العمليات العسكرية للتحرك في اتجاه استعادة وترتيب الوضع في هذا الإقليم.
وعرض القتال المحتدم بين أطراف الحرب مناطق في جنوب دارفور إلى خطر المجاعة، نتيجة لتفاقم سوء التغذية والجفاف، فضلاً عن توقعات باستمرار الجوع في مناطق عديدة بدارفور حتى يناير (كانون الثاني) 2027، وفق شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة.
وقالت الشبكة، في تقرير عن الأمن الغذائي للفترة من سبتمبر (أيلول) الماضي إلى يناير 2027، إن “خطر المجاعة، المصنف ضمن المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، امتد إلى أجزاء من جنوب دارفور، بما في ذلك شرق جبل مرة، حيث يتركز عدد كبير من النازحين”.
وأشارت إلى أن تقييمات أُجريت في أربعة مخيمات للنازحين بين أواخر أغسطس (آب) ومطلع سبتمبر الماضيين أظهرت أن معدلات سوء التغذية الحاد العام، المقاسة وفق مؤشر الوزن مقابل الطول، تجاوزت عتبة المجاعة في مخيمين من المخيمات الأربعة، مبينة أن مؤشرات استهلاك الغذاء ومعدلات الوفيات الخام ووفيات الأطفال دون سن الخامسة تشير إلى أوضاع طوارئ غذائية في تلك التقييمات.
ونوهت إلى أن هذه التقييمات لا تكفي لتصنيف المنطقة ضمن حال المجاعة، لكنها تكشف عن محدودية قدرة الأسر على مواجهة أي تدهور إضافي في الحصول على الغذاء.
وتستقبل مناطق شرق جبل مرة وطويلة، اللتان تستضيفان بالفعل أكثر من 700 ألف نازح، موجات نزوح متواصلة من ريف الفاشر ومناطق أخرى في شمال دارفور بسبب خسائر المحاصيل الناجمة عن الجفاف.







