تهديد مناوي بالتمرد وتراجعه.. هل تفجر المليشيات صراع النفوذ في دارفور؟

بعد تراجعه عن التهديد بالتمرد إذا أُنشئت مليشيات أو تشكيلات عسكرية جديدة، جدد حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي الجدل بشأن مستقبل الفصائل العسكرية في السودان.
ووفق مراقبين، يُمكن قراءة تهديد مناوي ضمن صراع نفوذ وتوازنات سياسية وعسكرية معقدة بين مختلف المجموعات المسلحة الفاعلة في المشهد السوداني حاليا، وفي دارفور وخارجه.
وخلال لقاء جماهيري في الخرطوم الأربعاء الماضي، قال مناوي: “لا نريد دولة تدعم المليشيات، وسنتمرد على أي دولة تدعم مليشيات الجنجويد أو أي واحدة تحت أي مسمى”، مشيرا إلى أنه “يرفض تمويل المليشيات من أموال دافعي الضرائب أو على حساب دماء السودانيين”.
مناوي : أرفض تكوين مليشيات خارج اطار الدولة و تسليح القبائل يهدد وحدة السودان
مناوي : جربنا التمرد و الحكومة و لن نتمرد مجدداً
تهديد ثم تراجع
ولقطع الطريق أمام التأويلات التي رافقت تصريحاته، التقى مناوي مؤثرين وصناع محتوى يوم الجمعة الماضي، ثم إعلاميين أمس الأحد، موضحا أن حديثه “حُرّف وأنه لم يكن دعوة للتمرد الحقيقي، بل كان تحذيرا سياسيا واحتجاجا شديد اللهجة ضد سياسة إنشاء مليشيات وتشكيلات جديدة موازية”، معتبرا أن تكرار هذه التجربة “مثلما حدث مع قوات الدعم السريع سابقا، مهدد لاستقرار الدولة”.
وأضاف أن موقفه لا يحتمل التأويل، وأن انحيازه إلى السودانيين ليس موضعا للمزايدات، مشددا على أنه “جزء أصيل من الشعب وسيبقى إلى جانبه مدافعا عن وحدته”.
وجدد مناوي، الذي يتزعم حركة تحرير السودان ويشرف على القوة المشتركة للحركات المسلحة، رفضه “العودة إلى التمرد”، قائلا إن “من لا يرغب في استمراره في السلطة، فليختر التمرد”.
وجاءت تصريحات حاكم دارفور الأولى بعد اجتماع قيادات منشقة عن قوات الدعم السريع، أعلنت انضمامها إلى الجيش السوداني، في منزل زعيم قبيلة المحاميد ورئيس مجلس الصحوة موسى هلال، لبحث تأسيس قوة تحمل اسم “درع الغرب”.
وضم الاجتماع اللواء النور أحمد آدم المعروف بـ”النور القبة” والعميد علي رزق الله المعروف بـ”السافنا”، وآخرين. ونشرت منصات محلية أنه بحث “تشكيل قوة تتولى القتال في دارفور واستعادة مناطق في الإقليم التي ما زالت تحت سيطرة الدعم السريع”.
مخاوف عميقة
وأثارت مواقف مناوي ردود فعل متباينة وأحدثت انقساما في الشارع السوداني والمنصات الإعلامية بين مؤيد لتحذيراته من خطورة تعدد الجيوش والمليشيات، ومتحفظ أو منتقد لتوقيت وطريقة التعبير التي استخدمها في ظل الظروف التي تمر بها البلاد.
من جانبه، يعتقد الباحث والأستاذ الجامعي معاذ الطيب أن هناك مخاوف عميقة لدى السودانيين من ظاهرة انتشار المليشيات، وتعدد التشكيلات العسكرية، واستنساخ القوى المسلحة الموازية خاصة بعد الحرب الجارية ودور الدعم السريع.
ويقول إن ثمة هواجس حقيقية تشغل الشارع والدوائر السياسية والحقوقية للأسباب التالية:
ينظر السودانيون إلى مأساة الحرب الحالية باعتبارها النتيجة المباشرة لخطأ إستراتيجي تمثل في السماح بقيام وتنامي كيان عسكري مسلح موازٍ ومستقل عن المؤسسة العسكرية الرسمية.
يخشى المواطنون أن يؤدي استمرار التشكيلات المسلحة الحالية، أو تشكيل كيانات جديدة تحت ذرائع مختلفة، إلى زرع بذور صراعات وحروب جديدة ومستقبلية بين هذه الفصائل والجيش السوداني، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها.
يتخوف الشارع من تحول الشوارع والمدن إلى إقطاعيات أمنية تتحكم فيها مجموعات مسلحة وأمراء حرب لا يخضعون لسيطرة مركزية، مما يضاعف من معدلات الانتهاكات والتوترات اليومية ويهدد ما تبقى من أمن المدنيين.
تتفق غالبية الآراء الشعبية والسياسية في السودان على أن استقرار الدولة الديمقراطية المنشودة يستحيل في ظل وجود “عدة جيوش ومليشيات”، وأن الحل الوحيد يكمن في قيام جيش مهني وقومي واحد يحصر السلاح بداخله.
“انتهازية ومناورات”
أما الكاتب ورئيس تحرير صحيفة “الجريدة” أشرف عبد العزيز، فيعد ما وصفه بـ”تذبذب حاكم إقليم دارفور بين التلويح بالتمرد ونفيه المتكرر” انعكاسا لما اعتبره “انتهازية سياسية ومناورات تعتادها الحركات المسلحة كلما أحست باهتزاز كراسيها أو تقليص مكاسبها في السلطة”.
واتهم الكاتب مناوي بـ”ابتزاز الدولة ومؤسساتها العسكرية بورقة التمرد، ملوحا بها كلما ظهرت على السطح كيانات عسكرية أو قبلية جديدة تنافسه على النفوذ والسلطة في دارفور لأنه يريد احتكار التمثيل الجهوي”، وفق حديثه للجزيرة نت.
ويسعى مناوي وفصائل في القوة المشتركة -حسب خبراء- إلى ما قالوا عنه ترسيخ معادلة مفادها أن الشراكة العسكرية مع الجيش يجب أن تظل حصرية بينهم، وألا تمنح الدولة شرعية لكيانات متعددة ومتنافسة قد تفضي لاحقا إلى تفجر صراعات أهلية في إقليم دارفور.
في السياق ذاته، يقرأ الخبير الأمني جابر عز الدين -في تصريح للجزيرة نت- أبعاد صراع النفوذ والتنافس في إقليم دارفور من خلال عدة زوايا، منها:
تمثل القوة المشتركة، التي يقود مناوي أبرز فصائلها، الطرف الأساسي الذي تقاسم مع الجيش الشرعية الميدانية والعسكرية في دارفور بعد إعلانها الانحياز له، وأي اتجاه لإنشاء أو دعم تشكيلات مسلحة جديدة يرى مناوي فيه تهديدا لحصته في النفوذ العسكري والسياسي.
يخشى قادة الحركات المسلحة التقليدية في دارفور أن يؤدي نشوء فصائل حديثة إلى إعادة هندسة الخريطة الأمنية والسياسية للإقليم، لصالح مجموعات جديدة قد تنافسهم مستقبلا على مراكز صنع القرار والسلطة والثروة.
لم يكن التهديد بالتمرد سوى “أداة ضغط سياسي خشنة” مفادها أن حركات دارفور المتحالفة لن تقبل بتهميش دورها أو خلق بدائل عسكرية تحتكم لولاءات أخرى قد تضرب تماسك الجبهة المناهضة للدعم السريع من الخلف.
زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان للدمازين من حساب الفرقة الرابعة مشاة الدمازين فيسبوك
البرهان تعهد سابقا بأن يكون هناك جيش واحد بنهاية الحرب (مواقع التواصل)
وكان رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان قد قال، خلال مخاطبته ملتقى الإعلاميين السودانيين بالعاصمة الخرطوم في 10 سبتمبر/أيلول الماضي، إن “الخطوات العملية لدمج قوات الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام بدأت، ويعطل استكمالها انتشار القوة المشتركة في مواقع القتال في عدة ولايات”.
إعلان
وتعهد البرهان بأن “يكون هناك جيش واحد بنهاية الحرب”.








