مسيرات الجيش تدك حصون “الدعم السريع” في نيالا

تشهد محاور القتال في السودان تطورات ميدانية متسارعة إثر تقدم الجيش وحلفائه في إقليمي كردفان ودارفور، حيث صعد الأخير غاراته الجوية في هذين المحورين بصورة مكثفة ليحول طبيعة المعركة بشكل متزايد إلى حرب إمداد وعزل لمسارات الحركة والتموين الخاصة بقوات الدعم السريع والمتجهة غرباً عبر استهداف أرتالها العسكري، بجانب تدمير قوتها الصلبة ومراكز قيادتها.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن طيران الجيش المسير شن أمس الجمعة سلسلة غارات جوية على مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور استهدفت مواقع عسكرية تتحصن فيها قوات الدعم السريع المتمركزة في الأجزاء الجنوبية الشرقية من المدينة، فضلاً عن مواقع قرب سوق المواشي بالمدينة.
الجيش يسترد بلدة إستراتيجية في دارفور ويقصف كردفان
الجيش يسيطر على منطقة مهمة بالقرب من جبل مون
الجيش يحرر منطقة جديدة بشمال كردفان ويدمر قوافل إمداد بدارفور
وأفادت المصادر بأن الضربات الجوية أسفرت عن تدمير عدد من المركبات القتالية وشاحنات وقود كانت تعتزم الجماعة إرسالها إلى جبهات القتال في كردفان.
وقال المتحدث الرسمي باسم الجيش، “قامت القوات الجوية بتنفيذ ضربات مركزة على مراكز قيادة ميليشيات آل دقلو وتمركزات مرتزقتها بمدينة نيالا، وأسفرت الهجمات عن قتل العشرات منهم وتدمير مراكز القيادة”. وأضاف في بيان “ستظل القوات المسلحة السودانية تتابع تجمعات المرتزقة ومراكز قيادة الميليشيات حتى القضاء عليها”.
ووفقاً لشهود، فإن دوي انفجارات قوية وقعت في مواقع عدة داخل المدينة، من بينها سوق المواشي، وسط تضارب في أعداد الضحايا، إذ قالت “الدعم السريع” في بيان إن “الهجوم أسفر عن مقتل 30 شخصاً في الأقل وإصابة 40 آخرين”، بينما أشارت منظمة أطباء بلا حدود إلى مقتل أربعة أشخاص في الأقل بينهم 17 امرأة وخمسة أطفال، وإصابة العشرات.
ويواصل الجيش منذ أشهر تنفيذ غارات جوية على مواقع الدعم السريع في نيالا، التي تتخذها الأخيرة مركزاً رئيساً لعملياتها في إقليم دارفور، إضافة إلى أنها تعد مقراً رئيساً للحكومة الموازية التي شكلها تحالف السودان التأسيسي في مناطق سيطرتها الذي تتزعمه قوات الجماعة.
وتأتي هذه الغارات في وقت تشهد فيه جبهات كردفان تصعيداً عسكرياً بين الطرفين، حيث تسعى قوات الدعم السريع إلى تعزيز خطوط إمدادها من دارفور نحو كردفان، بينما يحاول الجيش قطع تلك الإمدادات عبر استهداف مستودعات الوقود والآليات القتالية.
واتجه طرفا الحرب في الآونة الأخيرة إلى توسيع نطاق استخدامهما الطيران المسير، بخاصة في إقليمي دارفور وكردفان، وتسببت هجماته في سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، إذ أفادت تقارير اممية بمقتل أكثر من ألف مدني بالمسيرات خلال الشهور الماضية، مما تسبب في مفاقمة معاناة المواطنين .
هجوم جوي
في الموازاة شهد إقليم كردفان أمس الجمعة تصعيداً عسكرياً تمثل في شن الجيش هجوماً بطائرات مسيرة استراتيجية استهدف تمركزات لقوات الدعم السريع في المناطق الواقعة غرب مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، من أبرزها بلدة أم صميمة. كما شمل القصف مدينة الخوي بولاية غرب كردفان، وفق مصادر عسكرية.
وأشارت المصادر إلى أن الضربات الجوية تهدف إلى ضرب خطوط إمداد قوات الميليشيات وتجمعاتها المتقدمة، حيث يواصل الجيش والقوة المساندة له الدفع بتعزيزات ومتحركات جديدة وتكثيف الضغط لتعزيز انتشاره وإعادة التموضع، في محاولة لاستكمال السيطرة على ولاية شمال كردفان والانفتاح نحو غرب كردفان، بينما تفشل قوات الدعم السريع في تحقيق تقدم بري نحو مدينة الأبيض رغم الهجمات بالمسيرات.
وتكتسب مدينة الأبيض أهمية استراتيجية كبيرة، باعتبارها مركزاً إدارياً وتجارياً رئيساً في إقليم كردفان، فضلاً عن موقعها الذي يربط مناطق وسط البلاد بإقليم دارفور الواقع غرباً، وهو ما يجعل السيطرة على محيطها عاملاً مؤثراً في مسار العمليات العسكرية بين طرفي النزاع.
تأتي هذه الضربات المتتالية في ظل العمليات النوعية والمحكمة التي ينفذها الجيش والقوات المساندة له في مختلف محاور ولايتي شمال وغرب كردفان، والتي أدت إلى شل حركة قيادات الدعم السريع وقطع خطوط إمدادها.
توتر ونزوح
أما إقليم النيل الأزرق الواقع جنوب شرقي السودان، والذي يعد واحداً من أهم محاور القتال، يشهد تواتراً عسكرياً مستمراً وتوتراً أمنياً ملحوظاً، فضلاً عن عمليات الكر والفر في ظل المواجهات الميدانية المحتدمة بين الجيش والقوات المساندة له وقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو.
وطبقاً لمصادر عسكرية، فإن الجيش يخوض تقدماً عسكرياً ملحوظاً في الإقليم، إذ يواصل تحقيق مكاسب ميدانية في المحاور الشرقية والقريبة من الحدود مع إثيوبيا، مشيرة إلى أنه نفذ عمليات نوعية في مناطق جبل كدم وبلبوم والكرمك، وألحق خسائر كبيرة بقوات الدعم السريع واستولى على آليات ومركبات قتالية.
وكانت قيادة سيطرة عمليات النيل الأزرق والفرقة الرابعة مشاة دفعت في وقت سابق بالكتيبة الاحتياطية الأولى إلى خطوط القتال لتعزيز الموقف الميداني.
ويعيش الإقليم وضعاً إنسانياً بالغ القسوة والخطورة نتيجة لتصاعد الهجمات العسكرية والاستهداف المستمر للاعيان المدنية بخاصة مراكز إيواء النازحين.
وأدت الهجمات المستمرة والاشتباكات في محليتي قيسان والكرمك ومنطقتي جبل النمر ومينزا إلى فرار ونزوح آلاف الأسر، إذ فر أكثر من خمسة آلاف نازح إلى مدينة الدمازين في ظروف إنسانية وصحية حرجة جداً. كما طاولت الهجمات المرافق الصحية ومصادر المياه في بعض المناطق المتضررة، ما فاقم معاناة السكان.
نقص حاد في الأمطار
إنسانياً، حذرت المنسقة المقيمة للأمم المتحدة ومنسقة الشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، من أن النقص الحاد في معدلات هطول الأمطار في مناطق من السودان يفاقم الأزمة الإنسانية التي يعاني منها ملايين السودانيين، في ظل استمرار الحرب للعام الثالث.
وذكرت براون، في بيان، أن نقص الأمطار ينذر بتفاقم سوء التغذية وانتشار الأمراض، بما يزيد المخاطر التي تواجه ملايين الأطفال المتضررين من موجات النزوح المتكررة، مؤكدة على ضرورة توفير المساعدات الغذائية المنقذة للحياة بصورة عاجلة، إلى جانب إتاحة المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي والرعاية الصحية، لا سيما في إقليم دارفور وأجزاء من كردفان، حيث تتفاقم الاحتياجات الإنسانية بفعل نقص الأمطار وتداعيات الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
وأشارت إلى حاجة صغار المزارعين إلى دعم عاجل قبل بدء موسم الزراعة الشتوي، محذرة من أن الموارد المتاحة للجهات العاملة في المجال الإنساني لا تكفي لتغطية الحاجات المتزايدة.
وأكدت منسقة الشؤون الانسانية أن مخزونات المساعدات الغذائية الإنسانية يُتوقع أن تنفد بحلول أوائل عام 2027، ما لم يتوفر تمويل عاجل، الأمر الذي قد يحرم الأسر الأكثر ضعفاً من المساعدات الضرورية المنقذة للحياة.
سلام شامل
إلى ذلك، شدد السودان على تمسكه بالسلام خياراً استراتيجياً لإنهاء الحرب الجارية في البلاد مشترطاً أن تستند أي هدنة إنسانية إلى ترتيبات واضحة وملزمة لحماية المدنيين، تشمل انسحاب قوات الدعم السريع من المرافق المدنية ومساكن المواطنين، وإخراج المرتزقة الأجانب ووقف تدفقات السلاح والتمويل لهذه القوات.
وأشار سفير السودان لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس أمام مجلس الأمن أمس الجمعة إلى أن هذه الترتيبات ينبغي أن تمهد لوقف دائم لإطلاق النار وتحقيق سلام شامل يحفظ سيادة البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها.
وأوضح أن رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان بعث في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري رسالة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أكد فيها تقدير السودان لاهتمام الإدارة الأميركية بتحقيق السلام.
وبيّن إدريس أن السلام ظل الخيار الاستراتيجي للحكومة منذ طرح تصورها لإنهاء الحرب خلال عام 2024، استناداً إلى إعلان جدة لحماية المدنيين الموقع خلال مايو (أيار) 2023 السعودية والولايات المتحدة، منوهاً إلى أن بلاده قدمت ملاحظات فنية في شأن حماية المدنيين وصون حقوق المجتمعات السودانية، بهدف تضمينها في ترتيبات واضحة وملزمة للتنفيذ والتحقق تمهيداً لوقف دائم لإطلاق النار وإرساء سلام شامل.
وأكد أن نجاح أي هدنة إنسانية يتطلب إنهاء تواجد قوات “الدعم السريع” في المرافق العامة ومساكن المدنيين والاتفاق على جدول زمني لانسحابها إلى نقاط تجميع تحت رقابة دولية، إلى جانب إخراج جميع من وصفهم بالمرتزقة الأجانب، من البلاد ووقف تدفقات الأسلحة والتمويل.
ولفت إلى أن هذه التدابير ضرورية لمنع استغلال الهدنة في إعادة تسليح قوات “الدعم السريع”، كما أنها أساسية للحيلولة دون تقسيم البلاد، داعياً مجلس الأمن إلى اتخاذ تدابير نوعية تجاه الجهات التي تؤجج الحرب وتمد قوات الدعم السريع بالسلاح والمال والمرتزقة.
وجدد سفير السودان لدى الأمم المتحدة التأكيد على التزام بلاده بالتحول الديمقراطي المدني، على أن يقرر السودانيون مستقبل نظام الحكم عبر حوار وطني جامع داخل البلاد، فضلاً وجود جيش وطني واحد، وضمان حقوق المشاركة السياسية السلمية والمساءلة عن الجرائم، ورفض توظيف السيطرة المسلحة للحصول على استحقاقات في الحكم أو إضفاء الشرعية على وحدات إدارية موازية أو أفراد.




