هل تمضي روسيا في دعم السودان حتى نهاية الحرب؟

برز السودان كدولة ذات أهمية إستراتيجية في السياسة الروسية المعاصرة تجاه أفريقيا، وتؤدي موسكو دوراً متزايد النشاط في السودان لتعزيز نفوذها في منطقة البحر الأحمر وتوسيع حضورها في القارة الأفريقية، إذ تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره ممراً حيوياً يتيح الوصول إلى “المياه الدافئة”. وعلى رغم أن القاعدة البحرية المقترحة في بورتسودان قد حظيت باهتمام كبير، إلا أن المصالح الروسية في السودان تتجاوز مجرد الوصول إلى البحر، فهي تشمل النفوذ الجيوسياسي، والتعاون العسكري، والمصالح الاقتصادية، والانخراط الدبلوماسي.

روسيا تفتح باب الدخول للأفارقة بدون تأشيرة وتنشر قائمة الدول

هل تنجح الضغوط الخارجية في وقف حرب السودان؟

تسعى روسيا إلى تعزيز وجودها الأمني والجيوسياسي في المنطقة من خلال تأمين موطئ قدم لها في الساحل السوداني، ويعد السودان واحداً من دول أفريقية عدة، إلى جانب ليبيا ومالي وجمهورية أفريقيا الوسطى، التي وطدت روسيا علاقاتها معها في السنوات الأخيرة.

كما شاركت روسيا من قبل في مشاورات سياسية تهدف إلى حل الأزمة السودانية، بالتزامن مع جهود بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) الرامية إلى بناء توافق داخلي، وهو توجه قوبل بردود فعل إيجابية في الأوساط السودانية.

في الوقت الراهن، يسعى السودان إلى توطيد علاقاته مع روسيا للحصول على دعم سياسي واقتصادي وعسكري، لا سيما في ظل العقوبات الغربية المفروضة عليه على خلفية الصراع المستمر وعدم الاستقرار الداخلي. وعلى الصعيد الاقتصادي، تهدف روسيا إلى توسيع استثماراتها في قطاعات النفط والتعدين والزراعة في السودان، مستفيدة من احتياطات البلاد النفطية وثرواتها المعدنية، كالذهب. وعلاوة على ذلك، تعمل شركات روسية، مثل “زاروبيج نفت” على ترسيخ وجودها في قطاع النفط السوداني. أما في المجال العسكري، فقد كانت روسيا واحدة من أكبر موردي الأسلحة للسودان، إذ زودته بأنظمة دفاع جوي متطورة، مثل منظومتي “بوك” و”بانتسير”، إضافة إلى طائرات مقاتلة من طراز “ميغ-29” و”سو-24″، ودبابات من طراز “تي-72″، كما قدمت روسيا برامج تدريبية للضباط السودانيين في مجالات تشمل الطيران العسكري والاستخبارات. وإلى جانب ذلك، نشطت مجموعة “فاغنر” الروسية في السودان، حيث قدمت دعماً أمنياً مقابل الحصول على امتيازات في قطاع التعدين.

تقلبات العلاقة
تعود العلاقات بين السودان وروسيا للحقبة السوفياتية، إذ أقام الاتحاد السوفياتي علاقات دبلوماسية مع السودان عام 1956، عقب استقلال البلاد. وقد شهدت هذه العلاقات تقلبات تزامنت مع التحولات السياسية في السودان، فقد قدم الاتحاد السوفياتي دعماً عسكرياً واقتصادياً خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لا سيما في عهدي إبراهيم عبود وجعفر النميري. ومع توجه السودان نحو الغرب في سبعينيات القرن الـ20، شهدت العلاقات مع موسكو فتوراً، لكنها عادت للتحسن بعد انقلاب عام 1989 الذي أوصل عمر البشير إلى سدة الحكم. وعقب انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، توطدت العلاقات في عهد البشير وكان السودان يخضع لعقوبات أميركية منذ عام 1997، مما أدى إلى عزل اقتصاده عن النظام المالي العالمي، فقدمت روسيا دعماً سياسياً للسودان في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، إلى جانب مساعدات عسكرية واقتصادية.

سعت روسيا، على مدى سنوات، إلى ترسيخ موطئ قدم لها في منطقة القرن الأفريقي لتعزيز حضورها المتنامي في الجزء الغربي من القارة. يأتي ذلك ضمن إستراتيجية أوسع تهدف إلى استعادة النفوذ العسكري والاقتصادي الذي كان يتمتع به الاتحاد السوفياتي في أفريقيا، الذي انتهى بانهياره عام 1991. وفي الواقع، تمنح هذه العودة للقرن الأفريقي روسيا موقعاً ذا أهمية إستراتيجية بالغة في البحر الأحمر كما تعزز في الوقت ذاته حضورها المتوسع في مختلف أنحاء القارة الأفريقية.

وحافظ الكرملين على علاقات ودية مع المجلس العسكري السوداني، حتى في وقت أوقفت فيه الدول الغربية مساعداتها رداً على الإجراءات التي اتخذها رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبدالفتاح البرهان، في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2021. وعلى عكس الحقبة السوفياتية، التي اتسمت إلى حد كبير بالتنافس الأيديولوجي خلال الحرب الباردة، فإن السياسة الروسية المعاصرة تجاه أفريقيا تستند في المقام الأول إلى اعتبارات جيوسياسية واقتصادية، مع التركيز على مبادئ السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون القائم على المنفعة المتبادلة، وضمن هذه الإستراتيجية الأوسع، برز السودان كواحد من أهم شركاء روسيا.

تفعيل الاتفاقات
في عام 2015، وقع السودان وروسيا مذكرة تفاهم لإنشاء قاعدة بحرية على ساحل البحر الأحمر، وهو تفاهم جرى تأكيده بين الرئيس عمر البشير وفلاديمير بوتين في سوتشي عام 2017. وفي عام 2019، وقع البلدان اتفاق لإنشاء مركز للدعم اللوجستي للبحرية الروسية في بورتسودان، إلى جانب اتفاق للتعاون الأمني والعسكري مدتها سبع سنوات. وتلا ذلك في عام 2020 إبرام اتفاق عسكري تمتد 25 عاماً. وفي مطلع عام 2023، زار وفد سوداني، بقيادة نائب رئيس مجلس السيادة آنذاك وقائد قوات “الدعم السريع”، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، موسكو، وتوصل إلى اتفاق مع الحكومة الروسية للبدء في إجراءات إنشاء القاعدة، غير أن اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) من العام ذاته حال دون المضي قدماً في هذه المفاوضات.

وتنبع الرغبة الروسية القوية في إقامة مثل هذه القاعدة من تداعيات انهيار الاتحاد السوفياتي، الذي أدى إلى إغلاق القاعدة البحرية السوفياتية في أرخبيل دهلك، وهي منطقة كانت تابعة لإثيوبيا آنذاك. وكانت تلك القاعدة الصغيرة قد أنشئت في الأصل كبديل لمنشأة كانت في بربرة بالصومال، التي اضطرت موسكو إلى إغلاقها عام 1977 على إثر خلافات مع الحكومة الصومالية، نشأت بسبب دعم موسكو إثيوبيا خلال النزاع المسلح بين البلدين حول منطقة أوغادين. وجاء إغلاق القاعدة الروسية في أرخبيل دهلك، عقب فقدان إثيوبيا كامل سواحلها، نتيجة انتصار إريتريا في حرب التحرير ضد إثيوبيا، وما تلا ذلك من قيام دولة إريترية مستقلة.

في يونيو (حزيران) عام 2021، أعادت القوات البحرية السودانية انتشارها في قاعدة “فلامنغو” بمدينة بورتسودان، عقب مغادرة آخر أفراد البحرية الروسية، ليقتصر الوجود حصراً على السفن المخصصة لأغراض الاستطلاع. وفي فبراير (شباط) عام 2023، وخلال زيارة له إلى السودان، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن الاتفاق بين روسيا والسودان حول إنشاء مركز لوجستي بحري روسي في بورتسودان “في طور التصديق”. وفي أبريل عام 2024، زار ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي السودان، وفي يونيو من العام ذاته، تم التوصل إلى هذا الاتفاق.

وأعلنت الخرطوم توقيع اتفاق نفطي مع موسكو، في أكتوبر عام 2025، تشمل التعاون في مجالات الإنتاج وتطوير البنية التحتية لقطاع الطاقة. وفي يونيو الماضي، خلال الدورة الـ11 للجنة التشاور السياسي بين السودان وروسيا التي عقدت في موسكو، أكد السودان رغبته في تفعيل مختلف الاتفاقات ومذكرات التفاهم الموقعة مع روسيا، التي تغطي قطاعات مثل الطاقة والنفط والنقل والبنية التحتية والزراعة.

أسباب الدعم
هناك أسباب عدة تقف وراء دعم روسيا للسودان.

أولاً، لجأت الحكومة السودانية إلى روسيا بسبب غياب دعم غربي قوي، إذ فشلت الدول الغربية في اتخاذ موقف واضح أو حازم ضد قوات “الدعم السريع”، مما دفع الحكومة السودانية للبحث عن دعم عسكري وسياسي من جهات أخرى، بما في ذلك في المحافل الدولية، لمواجهة الضغوط الميدانية. وقد استجابت روسيا لذلك، إذ قدمت الدعم في البداية عبر مجموعة “فاغنر”، التي أسست علاقات استثمارية واسعة في قطاع الذهب. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنظر إلى أن السودان يعد أحد أكبر منتجي الذهب في أفريقيا، ويحتل المرتبة الـ13 عالمياً، مع احتياطات من الذهب تقدر بنحو 1550 طناً.

ثانياً، تكمن أهمية السودان بالنسبة لموسكو في مزيج من الوصول إلى الممرات البحرية، والموارد الطبيعية، والتعاون الأمني، وهي عناصر تعزز في مجملها الإستراتيجية الإقليمية الأوسع لروسيا. وقد كيفت روسيا طبيعة انخراطها مع المشهد السياسي المتغير في السودان، في حين عملت الأطراف السياسية والعسكرية السودانية، في الوقت ذاته، على بناء علاقات براغماتية مع شركاء خارجيين متنوعين لخدمة مصالحها الخاصة. ويبرز الوضع في السودان الأهمية الإستراتيجية المتزايدة للبحر الأحمر كساحة جيوسياسية تشهد تنافساً محتدماً، إذ تتسابق القوى الإقليمية والعالمية لترسيخ نفوذها العسكري والاقتصادي والسياسي على المدى الطويل.

ثالثاً، تتجاوز الأهمية الإستراتيجية للسودان بالنسبة إلى روسيا، والسبب الكامن وراء انخراط موسكو، مشروع القاعدة البحرية المقترح في بورتسودان، فهي تعكس إستراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي لروسيا عبر منطقة البحر الأحمر وأفريقيا. ولا تقتصر أهمية السودان بالنسبة إلى موسكو على موقعه الجغرافي أو موارده الطبيعية فحسب، بل تكمن في كونه بوابة إستراتيجية تسعى روسيا من خلالها إلى بسط نفوذها عبر البحر الأحمر، ومنطقة القرن الأفريقي، والقارة الأفريقية ككل.

رابعاً، من شأن إنشاء مرفق لوجستي بحري مقترح في بورتسودان أن يسد فجوة كبيرة في الشبكة البحرية الروسية، التي تفتقر حالياً إلى موطئ قدم عسكري دائم في البحر الأحمر، وهو نقص يحد من قدرة البحرية الروسية على إجراء عمليات الصيانة، والتزود بالوقود، والإمداد في الخارج. وبناء على ذلك، فإن منشأة قادرة على استيعاب ما يصل إلى 300 فرد وأربع قطع بحرية، بما في ذلك سفن تعمل بالطاقة النووية، ستدعم عمليات الانتشار البحري طويلة الأمد، وأعمال المراقبة البحرية، والأنشطة اللوجستية التي تغطي منطقة البحر المتوسط، والبحر الأحمر، وغرب المحيط الهندي، وأفريقيا.

توقعات محتملة
تشير تجارب علاقات روسيا مع السودان، إلى جانب تعثر مشروع القاعدة البحرية، إلى أن استمرار الدعم الروسي وحجمه قد يعتمدان على تطور المصالح الروسية وطبيعة التفاهمات التي تتوصل إليها موسكو مع الحكومة السودانية. وبناء عليه، فإن التحركات الروسية المستقبلية، بما في ذلك أي تغييرات محتملة في سياستها، ستعتمد على ما إذا كانت مصالحها الإستراتيجية ستتعرض للخطر، أو ما إذا كان ميزان القوى في السودان سيشهد تحولاً جوهرياً.

وسيعتمد مستقبل الانخراط الروسي في السودان على عاملين مترابطين، هما مآل الحرب السودانية، وتطور التنافس الجيوسياسي في منطقة البحر الأحمر. وفي حين ظلت الأهداف الإستراتيجية طويلة المدى لموسكو ثابتة نسبياً، فمن المرجح أن تواصل أدواتها في السعي إلى تحقيق هذه الأهداف بالتكيف مع الظروف السياسية والأمنية المتغيرة. وتشير التطورات الراهنة إلى احتمال وجود سيناريوهات عدة، فقد تنجح روسيا في نهاية المطاف في تأمين منشأة لوجستية دائمة في بورتسودان، مما سيمثل تتويجاً لهدف إستراتيجي سعت إليه روسيا لأكثر من عقد من الزمن، والمتمثل في إرساء وجود عسكري دائم على الساحل الغربي للبحر الأحمر.

من شأن هذا التوسع أن يمدد نطاق العمليات الروسية في شمال أفريقيا، والقرن الأفريقي، ومنطقة الساحل، مع تقليل اعتماد روسيا على منشآت أجنبية أخرى. كما سيعزز مكانة روسيا كفاعل متزايد الأهمية في الشؤون الأمنية الإقليمية، لا سيما في ظل تصاعد حدة التنافس حول منطقة البحر الأحمر.

من المحتمل أن يظل الاتفاق مؤجلاً، أو ألا ينفذ بالكامل، إذ تشكل حالة الاضطراب السياسي الناتج من الحرب، وغياب مؤسسات الدولة، وضبابية مآلات الحرب، عقبات رئيسة أمام إبرام اتفاقات إستراتيجية طويلة الأمد. ونظراً إلى أن المفاوضات في شأن المنشأة الروسية قد أرجئت مراراً في ظل إدارات سودانية متعاقبة، فإن أي تأخير إضافي لا يعني بالضرورة فشلاً للسياسة الروسية، فقد أثبتت موسكو من قدرتها على تكييف نهجها والحفاظ على نفوذها من خلال الانخراط الدبلوماسي، والتعاون العسكري، والشبكات الاقتصادية، والشراكات الأمنية، حتى في غياب وجود بحري دائم.

وبغض النظر عما إذا كانت المنشأة البحرية المقترحة ستقام أم لا، فمن غير المرجح أن تتراجع حدة التنافس في البحر الأحمر. بل يتوقع أن تتسم المنطقة بشبكة معقدة من الشراكات العسكرية المتداخلة، والمشاريع الاستراتيجية للبنية التحتية، والتنافس السياسي بين القوى العالمية والإقليمية. وبدلاً من السعي إلى فرض نفوذ حصري، من المرجح أن تواصل القوى الخارجية السعي نحو بناء شراكات مرنة تضمن لها الوصول إلى الموانئ والممرات البحرية والموارد الطبيعية والحلفاء.


إنضم إلى قناة سودافاكس على الواتساب

منى عبد الفتاح

كاتبة صحفية سودانية وباحثة مختصة في الشأن السوداني والأفريقي عملت بعدد من الصحف العربية والمراكز البحثية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.