مصطفى سليمان : قسم على كتاب الله و شعب يواجه الجوع .. أين الرفاهية يا سيادة رئيس الوزراء؟

عندما اعتليت منصب رئيس مجلس الوزراء في 31 مايو المنصرم، أقسمت يا سيادة الرئيس على كتاب الله أن تعمل على تحقيق الرفاهية للشعب السوداني.
كان ذلك القسم عهداً أمام الله و مسؤولية أمام شعب أنهكته الحروب و أثقلته الأزمات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعيداً عن الخطب و الوعود و البيانات الرسمية:
أين الرفاهية التي أقسمت على تحقيقها؟
و أي واقع يعيشه السودانيون اليوم غير واقع المعاناة والانهيار؟
اقتصاد يترنح تحت وطأة الانهيار. عملة تفقد قيمتها. أسعار تلتهم دخول المواطنين. و أسر لم تعد قادرة على توفير الحد الأدنى من احتياجاتها الأساسية.
ملايين السودانيين يواجهون الجوع و انعدام الأمن الغذائي فيما تتسع رقعة الفقر وتتآكل قدرة الناس على الصمود. و بين نازح يفترش الأرض و مواطن يبحث عن لقمة العيش و مريض يعجز عن الحصول على الدواء، تتكشف صورة بلد يدفع شعبه فاتورة حرب لم يخترها وأزمات لم يعد يحتملها.
السودان اليوم ليس أمام أزمة واحدة يمكن احتواؤها بقرار أو تجاوزها بخطاب، بل أمام أزمات متراكمة تضرب الاقتصاد والخدمات والتعليم و الصحة ومعاش الناس. مؤسسات تعطلت و أخرى تراجعت قدرتها على أداء واجباتها، فيما تتصاعد الأسئلة حول الفساد وسوء الإدارة وغياب المساءلة داخل أجهزة الدولة. وفي بلد بهذه الظروف، لا يكفي الحديث عن الإصلاح ما لم يلمس المواطن أثره في حياته اليومية ويرَ القانون يُطبّق على الجميع دون استثناء.
البرهان يوجّه برفع حظر الاستيراد وإلغاء جمارك سلع غذائية
الأكثر إيلاماً أن المواطن السوداني لم يفقد الأمن والاستقرار وحدهما، بل بات كثيرون منه يفقدون القدرة على تأمين الطعام والدواء والمأوى. هناك أسر استنزفت مدخراتها، وموظفون لم تعد دخولهم تكفي لأيام، و شباب ضاقت أمامهم فرص العمل، وأطفال يدفعون ثمن انهيار التعليم وسوء التغذية.
أما من فروا من الحرب بحثاً عن الأمان فقد وجدوا أنفسهم أمام معاناة النزوح والغربة وارتفاع تكاليف الحياة.
و في المقابل، لا يجوز أن تتحول الحرب إلى شماعة تُعلّق عليها كل أوجه القصور. نعم، الحرب دمرت الموارد وعطلت الإنتاج وألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية، لكن مسؤولية الحكومة تظل قائمة في إدارة ما تبقى من موارد الدولة، و محاربة الفساد، وترشيد الإنفاق، و حماية المال العام، و توجيه الإمكانات المحدودة نحو الأولويات الحقيقية للشعب.
فالأزمات الاستثنائية تتطلب إدارة استثنائية، و شفافية أكبر، و محاسبة لا تستثني أحداً.
سيادة رئيس الوزراء..
الشعب لا يأكل الوعود ولا يتعافى بالخطب ولا يستعيد كرامته بالبيانات. الشعب يريد أن يعرف أين تذهب أموال الدولة، ومن يحاسب المقصرين، و ما الذي تفعله حكومتكم لوقف التدهور الاقتصادي، و توفير الغذاء والدواء، وإعادة الخدمات، وحماية الفئات الأكثر ضعفاً ! .
لقد أقسمت على كتاب الله، والقسم ليس إجراءً شكلياً ينتهي بانتهاء مراسم أداء اليمين، بل عهد تترتب عليه مسؤوليات أخلاقية و وطنية. و التاريخ لا يوثق ما يقوله الحكام عن أنفسهم بقدر ما يسجل ما عاشته الشعوب في ظل حكمهم.
إن السودان الذي نراه اليوم أصبح بلدا تنخره الحرب والأزمات، و يستنزف الفقر طاقات شعبه، ويهدد الجوع حياة ملايين من أبنائه. بلد يحتاج إلى إنقاذ حقيقي لا إلى مزيد من الشعارات، وإلى دولة تحمي مواطنيها لا مؤسسات تحمي مصالح المنتفعين منها.
سيادة الرئيس..
إن السؤال لم يعد مجرد: هل وفيت بقسمك؟
بل أصبح : ماذا بقي من قدرة المواطن السوداني على الاحتمال؟
فالشعب الذي صبر على الحرب والنزوح والفقر وانهيار الخدمات لا يمكن مطالبته بالصبر إلى ما لا نهاية. وحين يصبح الحصول على الطعام والدواء حلماً، وتتحول الحياة الكريمة إلى امتياز بعيد المنال، فإن الحديث عن الرفاهية يصبح استفزازاً لمعاناة الناس ما لم تسنده نتائج ملموسة.
السودان لا يحتاج إلى حكومة تكتفي بإدارة الأزمة، بل إلى حكومة تملك الشجاعة لمواجهة أسبابها ومحاسبة المسؤولين عنها. فهل يتحول قسمك إلى عمل ينقذ ما يمكن إنقاذه، أم يبقى مجرد كلمات شهد عليها كتاب الله وينتظر الشعب أن يرى أثرها؟ …
مصطفى سليمان







