سودانير.. إلى متى يبقى المسافر رهينة طائرة واحدة؟

سودانير.. إلى متى يبقى المسافر رهينة طائرة واحدة؟
مصطفى يوسف
تأجيل الرحلات إلى أجل غير مسمى ليس مجرد عطل فني، بل جرس إنذار جديد يستدعي وقفة جادة لإنقاذ الناقل الوطني.
قانون الناقل الوطني .. بوابة إصلاح سودانير و استعادة استقلاليتها المؤسسية
تفاجأ المسافرون بتأجيل عدد من الرحلات عبر الخطوط الجوية السودانية «سودانير» إلى أجل غير مسمى، بسبب عطل في إحدى الطائرات. وبينما ينتظر المسافرون إصلاح الطائرة، تتعطل مصالحهم، وتتبدد خططهم، وتظل مصائرهم معلقة دون حلول واضحة أو بدائل متاحة.
لقد تحدثنا كثيراً عن ضرورة إعادة هيكلة سودانير، وفصلها عن التعقيدات الإدارية ومنافذ القرار الحكومي، لتصبح شركة وطنية مستقلة، قادرة على اتخاذ قراراتها التجارية والتشغيلية بسرعة ومرونة.
شركة وطنية تعمل بطائرة واحدة لأكثر من عشر سنوات، هذا ليس إنجازاً تشغيلياً بقدر ما هو مغامرة حقيقية في سوق الطيران.
نعم، استمرار سودانير في العمل رغم الظروف الصعبة يُحسب لكل من ساهم في بقائها، ولكن السؤال الأهم: هل يكفي أن تبقى الشركة على قيد التشغيل، بينما يظل المسافر في مهب الريح عند أول عطل فني؟
المشكلة ليست في الطائرة وحدها
تحدثنا مراراً عن حلول عملية، من بينها:
- تأجير الطائرات بنظام التشغيل أو التأجير الجاف.
- نظام البناء والتشغيل والتحويل (BOT).
- التمويل والشراكات الاستثمارية.
- توفير طائرة بديلة لضمان استمرارية التشغيل.
- إعادة هيكلة الشركة ومنح الإدارة صلاحيات اتخاذ القرار.
لكن ما يحدث داخل سودانير من تأخر في اتخاذ القرارات، وتكوين اللجان، وتعطيل الإجراءات الإدارية، يجعل الحلول المطروحة حبيسة الاجتماعات والملفات.
اليوم، لا يبدو أن المدير العام أو المدير التجاري أو أي مسؤول تنفيذي داخل الشركة يمتلك الصلاحية الكافية لاتخاذ قرار عاجل باستئجار طائرة بديلة لسد الفجوة التشغيلية. والنتيجة أن الجميع ينتظر إصلاح الطائرة، بينما ينتظر المسافرون مصيراً مجهولاً.
وهنا لا نتحدث عن قصور إداري فحسب، بل عن خلل في منظومة اتخاذ القرار على المستويات العليا.
وما حدث اليوم ليس سابقة، فقد تكررت مثل هذه الأعطال والتأجيلات، وأصبح من الضروري التعامل معها باعتبارها مشكلة هيكلية تستوجب حلولاً جذرية، لا معالجات مؤقتة.
الطائرة والعمر التشغيلي.. سباق مع الزمن
لا يمكن تجاهل أن الطائرة الحالية تتقدم في العمر، ومع دخول عام 2027 سيبلغ عمرها عشرين عاماً.
وفي قطاع الطيران، كل يوم يمر دون خطة واضحة لتحديث الأسطول أو توفير بدائل تشغيلية، يزيد من المخاطر التشغيلية والتجارية، ويضع الشركة أمام تحديات أكبر في المستقبل.
فهل من المنطقي أن تظل شركة وطنية بحجم سودانير، بتاريخها ومكانتها، تعتمد على طائرة واحدة، دون خطة طوارئ حقيقية تضمن استمرار رحلاتها؟
الحل الحازم أصبح ضرورة وطنية
إنقاذ سودانير لا يكون بتغيير الأشخاص فقط، ولا بتكوين المزيد من اللجان، وإنما بقرار استراتيجي واضح يعيد بناء الشركة على أسس تجارية ومهنية مستقلة.
نحن بحاجة إلى:
- فصل سودانير إدارياً وتشغيلياً عن التعقيدات الحكومية، مع الاحتفاظ بملكيتها الوطنية ورقابة الدولة عليها.
- منح مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية صلاحيات حقيقية لاتخاذ القرارات التشغيلية والتجارية دون تعطيل.
- توفير طائرات بديلة بصورة عاجلة، وفق خيارات التأجير والتمويل والشراكات المتاحة.
- وضع خطة واضحة لتحديث الأسطول، وعدم ترك مستقبل الشركة رهيناً بطائرة واحدة.
- حماية حقوق المسافرين من خلال خطط طوارئ وتعويضات وإجراءات واضحة عند تأجيل الرحلات.
كلمة أخيرة
سودانير ليست مجرد شركة طيران، بل رمز وطني وواجهة للسودان أمام العالم.
لكن الوطنية وحدها لا تكفي لتشغيل الطائرات، والتاريخ وحده لا يضمن استمرار الرحلات، والشعارات لا تعوض المسافرين عن ساعات الانتظار وضياع مصالحهم.
لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة الحديث عن إصلاح سودانير إلى مرحلة اتخاذ القرار.
فإما أن نمنح هذه الشركة فرصة حقيقية للنهوض بإدارة مستقلة، وقرار تجاري سريع، وتمويل مستدام، وأسطول قادر على المنافسة؛ أو سنظل نكرر المشهد نفسه مع كل عطل جديد.
والسؤال الذي يجب أن تجيب عنه الجهات المسؤولة اليوم:
هل نريد سودانير شركة طيران وطنية قادرة على المنافسة، أم نكتفي بشركة تحمل اسم الناقل الوطني، بينما يظل مسافروها رهائن لطائرة واحدة؟






