محمد عثمان الرضي يكتب: أزمة الوقود.. سأخلع السيارة وأمتطي حماراً!

أزمة الوقود.. سأخلع السيارة وأمتطي حماراً!

محمد عثمان الرضي

✦ يبدو أن السودان قرر أن يختبر صبر مواطنيه حتى آخر قطرة وقود، أما أنا فقد قررت أن أختصر الطريق وأعود إلى العصور الوسطى! ففي بلد أصبحت فيه السيارات حبيسة محطات الوقود، والمواطن رهينة طوابير البنزين، تحولت رفاهية امتلاك سيارة إلى عبء يومي، وأصبح جالون الوقود أغلى من الوقت والأعصاب. لذلك قررت خلع السيارة وامتطاء حمار، فربما ينجح الحمار فيما عجزت عنه محركات السيارات!

التجديد لكبار ضباط الشرطة بعد بلوغهم سن المعاش القانوني….. مافيش حد أحسن من حد

◆ لم أعد مستعداً للمشاركة في ماراثون البحث عن الوقود، ولا لإهدار ساعات النهار أمام محطات الخدمة، بينما تتعطل مصالح المواطنين وتتحول المدن إلى ساحات انتظار. يبدو أن امتلاك سيارة لم يعد كافياً للتنقل، بل أصبح المواطن مطالباً بامتلاك علاقات خاصة مع محطات الوقود حتى يستطيع تحريكها!

✦ قراري شراء ثلاثة حمير؛ الأول لتنقلاتي الشخصية وممارسة عملي، والثاني لخدمة أسرتي الصغيرة وتوصيل أبنائي إلى المدرسة، والثالث احتياطي تحسباً لأي طارئ. فقد تعلمنا من إدارة الأزمات ألا نعتمد على مصدر واحد، ولذلك سأطبق سياسة تنويع وسائل النقل، وربما أكون أول مواطن سوداني يؤسس أسطولاً استراتيجياً من الحمير!

◆ وشرعت بالفعل في إعداد دراسة جدوى اقتصادية للمشروع، تشمل أسعار الشراء وتكلفة العلف وعدد الوجبات اليومية واستهلاك المياه والرعاية البيطرية. لقد انتقلت حساباتي من أسعار البنزين والجازولين إلى أسعار البرسيم والتبن، ومن متابعة أسعار الوقود إلى مراقبة أسواق الأعلاف. هكذا تدفعنا الأزمات إلى تطوير مهاراتنا الاقتصادية في الاتجاه المعاكس!

✦ وحشدت علاقاتي واتصالاتي للتواصل مع تجار الحمير، بحثاً عن أفضل الموديلات والمواصفات. أريد حميراً تتحمل مشاوير بورتسودان، ولا تتذمر من طول المسافات، ولا تحتاج إلى قطع غيار مستوردة، ولا تنتظر وصول شحنات الوقود حتى تبدأ عملها. والأهم ألا تتأثر بقرارات تحريك أسعار المحروقات!

◆ وأعتذر مقدماً لجيراني الكرام، فمساحة منزلي لا تسمح بتشييد مرابط تتسع للحمير الثلاثة، وعليهم أن يتحملوا نهيقها في الصباح والمساء. وإذا تسبب ذلك في إزعاجهم، فأرجو أن يتفهموا أنني مواطن يبحث عن حل لأزمة لم يشارك في صناعتها، ولم يعد قادراً على تحمل تكلفتها!

✦ سأرتاح من فاتورة الوقود، ومن الوقوف في الطوابير، ومن سؤال العاملين بمحطات الخدمة عن موعد وصول الإمدادات. لن أحتاج إلى متابعة نشرات أسعار المحروقات، ولا إلى انتظار تطمينات بشأن انفراج الأزمة. سأضع كيس البرسيم على ظهر الحمار، وأمضي إلى عملي دون أن أسأل متى تصل ناقلة الوقود!

◆ وسأتحرر من زحام المواصلات العامة والتدافع على المقاعد، ومن المواقف المحرجة التي أضطر فيها إلى ممارسة فن التخفي عندما أصادف أحد المعارف أو الأقارب داخل المركبة، حتى لا أجد نفسي مطالباً بدفع أجرة مواصلاته. أما على ظهر الحمار فسأكون المسؤول الوحيد عن فاتورة الرحلة، ولن أجد راكباً إضافياً يشاركني المقعد!

✦ وربما أستعيد شيئاً من حياة البداوة وبساطتها، بعيداً عن صخب المدينة وضجيج المحركات وأبواق السيارات. وسأكتشف أن الحمار لا يحتاج إلى اجتماع لمناقشة أزمة الوقود، ولا إلى لجنة لمعرفة أسباب شح الإمدادات، ولا إلى مؤتمر صحفي يطمئن المواطنين بأن الأمور تسير وفق الخطة الموضوعة!
◆ أما مدير شرطة المرور بولاية البحر الأحمر، اللواء شرطة إبراهيم صالح، فسأمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه من شكاواي المتكررة بشأن الاختناقات المرورية في شوارع بورتسودان. فقد اعتدت أن أشتكي إليه من ازدحام السيارات، وربما أريحه مستقبلاً عندما أغادر مسارات المركبات وأنتقل إلى مسارات الدواب!

✦ وربما يفاجأ بي اللواء إبراهيم صالح ذات صباح وأنا أمتطي حماراً من أحدث الموديلات، أعبر شوارع بورتسودان في هدوء، بينما تتراكم السيارات خلف بعضها أمام محطات الوقود. وعندها لن أطلب منه فك الاختناق المروري، وإنما أرجوه تخصيص مسارات آمنة للحمير، حتى لا تتسبب السيارات المتوقفة في تعطيل حركتنا!

◆ ولا أستبعد أن نحتاج قريباً إلى إدارة متخصصة لتنظيم حركة الدواب، وإصدار رخص قيادة للحمير، وتحديد مسارات خاصة بها، وربما إنشاء محطات علف بدلاً من محطات الوقود. وعندها يمكن أن نعلن نجاح خطة التحول الوطني من السيارات إلى الحمير، ونحتفل بإنجاز تاريخي لم تعرفه برامج التنمية الحديثة!

✦ لكن خلف هذه المفارقات الساخرة تختبئ أزمة حقيقية؛ فالوقود ليس سلعة ترفيهية، وإنما عصب حركة الاقتصاد والإنتاج والتجارة والمواصلات والخدمات. وكل يوم تتعطل فيه الإمدادات يدفع المواطن ثمنه من جيبه ووقته وأعصاب أسرته، وتنعكس آثاره على أسعار السلع وتكاليف النقل ومعيشة الناس. والسؤال الذي ينتظر إجابة ليس متى تنتهي الطوابير فحسب، بل لماذا تتكرر الأزمة، وأين الخلل، وما الإجراءات العملية لمعالجته؟

◆ إن المواطن لا يريد بيانات تطمينية بقدر ما يريد وقوداً في المحطات، ولا يحتاج إلى وعود جديدة بقدر حاجته إلى خطة واضحة تضمن انتظام الإمدادات، وتحدد المسؤوليات، وتمنع انتقال كلفة التعثر من المؤسسات إلى جيوب المواطنين. فإدارة الأزمات لا تقاس بعدد الاجتماعات والتصريحات، وإنما بقدرة الدولة على إبقاء الحياة اليومية للمواطنين دائرة دون انقطاع.

✦ سأشتري الحمير الثلاثة، وأبدأ صفحة جديدة مع وسائل النقل القديمة، لكنني أخشى أن تمتد إلينا عدوى الأزمات، فنستيقظ ذات صباح على ارتفاع أسعار البرسيم، وندخل في طوابير للحصول على التبن، ثم تصدر الجهات المختصة بياناً تطمئن فيه المواطنين بأن الإمدادات في طريقها إلى البلاد، وأن أزمة الأعلاف ستشهد انفراجاً خلال الأيام المقبلة!

◆ يا سادة، لم نطلب معجزات اقتصادية، ولم نطالب بتحويل السودان إلى دولة مصدرة للوقود بين ليلة وضحاها؛ كل ما نريده أن نجد ما يحرك سياراتنا، وأن يصل أبناؤنا إلى مدارسهم، وأن يصل الموظف إلى عمله دون أن يخوض معركة يومية. فإذا أصبح الحمار بديلاً عملياً للسيارة، فهذه ليست عودة إلى البداوة بقدر ما هي مفارقة تختصر حجم التراجع في حياة المواطن.
وإذا اضطررنا غداً إلى ركوب الحمير هرباً من أزمة الوقود، فأتمنى ألا نضطر بعد غد إلى حمل الحمير على ظهورنا بحثاً عن العلف! عندها فقط سنكون قد وصلنا إلى قمة الإنجاز في إدارة الأزمات!

Exit mobile version