أبشر حسين يكتب: مسرح الشارع في دار الرياضة أم درمان

مسرح الشارع في دار الرياضة أم درمان

جاد كريم وعبد الوهاب الجعفري… حين تتحول المدرجات إلى خشبة مسرح

للمسرح أنواع كثيرة، منها مسرح الشارع، الذي أجاد أداءه الممثل البارع ود الفادني. وهو المسرح الذي يُقدَّم في الأماكن العامة، مثل الشوارع والأسواق والميادين والحدائق، بعيدًا عن قاعات المسارح التقليدية. ومن أبرز خصائصه أن جمهوره يتكوّن غالبًا من المارة الذين قد يتجمعون بصورة عفوية، وأنه يعتمد على الحركة والصوت والإيماءة لجذب الانتباه، مع محدودية الديكور والإضاءة والتجهيزات، فضلًا عن التفاعل المباشر بين المؤدي والجمهور.

أبشر حسين يكتب: طفولة و مسارات شبابية

ومن أجمل صور هذا المسرح العفوي ما كان يقدمه جاد كريم وعبد الوهاب الجعفري في دار الرياضة بأم درمان، حيث تحولت المدرجات والمصاطب الشعبية إلى خشبة مسرح مفتوحة، وتحول روادها إلى جمهور يتفاعل مع الممثلين، أحيانًا أكثر مما يتفاعل مع أحداث المباراة نفسها!
تعودنا، منذ الصغر، ارتياد دار الرياضة. وفي بداياتنا، كنا ندخل مع «المَلَح»، أي في الدقائق العشر الأخيرة من المباراة، حين تُفتح الأبواب للجمهور مجانًا. وكان ذلك يتزامن مع دخول عم باجوري بحصانه المميز، في مشهد أصبح جزءًا من ذكرياتنا الجميلة عن دار الرياضة.
وما إن يظهر عم باجوري حتى يبدأ جاد كريم بالصياح بصوته الحاد المميز:
«عم بجوري غريق!»
وكان يزداد حماسًا وحدةً كلما اقترب حصان باجوري من العارضة الجنوبية، فيستقبل المشهد بتعليقاته وصيحاته التي تثير الضحك بين الحاضرين. لم يكن الأمر مجرد تعليق عابر، بل كان مشهدًا مسرحيًا متكاملًا، يصنعه جاد كريم بعفوية، مستفيدًا من اللحظة ومن تفاعل الجمهور معها.
وعندما كبرنا، أصبحنا ندخل دار الرياضة منذ بداية المباراة، وكنا نجلس عادةً في المصاطب الشعبية. وهناك تعرفنا على عدد من الشخصيات الفكاهية التي كانت تضفي على المكان نكهته الخاصة، ومنهم قطر، وحسين «هرد»،كاك ،ود مرجان، والسر «ال».
لكن جاد كريم كان، في تقديري، أكثرهم قدرةً على نشر الفرح والبهجة، بما يمتلكه من نكات وحركات مسرحية وحضور طاغٍ. كان يتنقل بين المدرجات، يمازح هذا ويعلّق على ذاك، ويدخل مع الحاضرين في حوارات ساخرة تتخذ شكل المشاهد المسرحية المرتجلة.
كان صوته عاليًا، على الرغم من نحافة جسمه، وكأن الله وهبه تلك الحنجرة لتكون جزءًا من أدواته الفنية. وعندما يدخل في حوار ساخر مع السر «ال»، وهو يمر بكرتلته، كان رواد المصاطب الشعبية ينشدّون إلى ذلك الحوار، ويتابعون فصوله بشغف، حتى إن كثيرين كانوا يتركون متابعة المباراة وينشغلون بما يدور بين الاثنين من مقاطع فكاهية ومواقف طريفة.
وفي الجانب الآخر، عند اللوج، كان عبد الوهاب الجعفري متسيدًا للموقف، جالسًا في الركن الجنوبي، حيث يجذب الأنظار بحركاته وتعليقاته الساخرة. كان يمتلك قدرةً مدهشة على شد انتباه الحاضرين، فيجعلهم يتابعونه ويترقبون تعليقاته، وكأنه يؤدي أمامهم عرضًا مسرحيًا أُعدّ بعناية، مع أن كل شيء كان يجري بعفوية وتلقائية.
ولم يكن يقطع ذلك التميز المسرحي إلا أصوات المشجعين الذين كانوا يردون عليه بعبارتهم المعروفة:
«عبد الوهاب الجعفري في دور الغنماية!»
وكان الجعفري، إلى جانب موهبته الفطرية في صناعة الضحك، ممثلًا متميزًا في المسرح القومي السوداني، ضمن مجموعة الفنان الفاضل سعيد. ولعل تجربته المسرحية الرسمية تفسر جانبًا من قدرته على الأداء والحركة والتفاعل مع الجمهور، وإن كانت دار الرياضة قد منحته فضاءً مختلفًا، يختلط فيه التمثيل بالحياة اليومية، وتصبح فيه العفوية جزءًا أصيلًا من العرض.
إن ما كان يجري في دار الرياضة بأم درمان لم يكن مجرد فكاهة عابرة أو تعليقات على مباراة كرة قدم؛ بل كان لونًا من ألوان المسرح الشعبي الذي نشأ من قلب المجتمع، واستمد مادته من تفاصيل الحياة اليومية، ومن الشخصيات التي ألفها الناس وأحبوها، ومن قدرة بعض الموهوبين على تحويل المواقف العادية إلى لحظات من الفرح الجماعي.
كان جاد كريم وعبد الوهاب الجعفري، كلٌّ بطريقته، يقدمان عروضًا لا تحتاج إلى خشبة مسرح، ولا إلى ستائر أو إضاءة أو ديكورات. كانت المدرجات هي المسرح، وكان رواد دار الرياضة هم الجمهور، وكانت الحياة نفسها هي النص الذي يرتجلان منه مشاهدهما.
واليوم، ونحن نستعيد تلك الأيام، ندرك أن أم درمان لم تكن تصنع فنونها داخل المسارح وحدها؛ فقد كانت شوارعها وأسواقها وساحاتها وميادينها، بل وحتى مدرجات دار الرياضة، فضاءات رحبة للإبداع الشعبي، ومجالات يلتقي فيها الفن بالحياة، ويصبح فيها الضحك جزءًا من الذاكرة الجماعية للمدينة.
رحم الله جاد كريم وعبد الوهاب الجعفري وسائر تلك الشخصيات التي أسعدت الناس وأدخلت الفرح إلى قلوبهم، وتقبّلهم الله قبولًا حسنًا، وجزاهم عن لحظات البهجة التي منحوها للناس خير الجزاء.


إنضم إلى قناة سودافاكس على الواتساب

بروفيسور أبشر حسين

بروفيسور أبشر حسين طبيب سوداني وباحث وبروفيسور بجامعة الخرطوم وكاتب ومؤسس مجموعة داؤود البحثية الغير ربحية ويكتب مقالات بصورة دورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.