رئيس الحركة الشعبية جناح السلام الفريق محمد أحمد عرديب : المطالبة بعلمانية الدولة هزمت مشروع “السودان الجديد”

أجندة عرمان اليسارية تسبَّبت في إبعاده
الحلو مؤهل للقيادة وتلفون كوكو رجل المرحلة
الرأي العام بالمنطقتين بات ميالاً إلى السلام
ما يحدث في الجنوب لن يتوقَّف إلا بإبعاد سلفا ومشار
نرفض رفضاً باتاً استهداف رئيس البرلمان
قال رئيس الحركة الشعبية جناح السلام الفريق محمد أحمد عرديب، إن مشروع السودان الجديد الذي بشرت به الحركة الشعبية كثيراً قبل انفصال الجنوب صاحبته أطروحات تبدو غير واقعية، أبرزها بطبيعة الحال علمانية الدولة، وأضاف عرديب في حواره مع الصيحة أن المطالبة بعلمانية الدولة هي التي هزمت مشروع السودان وجعلته غير مقبول لدى قطاع واسع من السودانيين، الذين لا يمكن أن يتصالحوا مع مجرد فكرة فصل الدين عن الدولة، مشيراً إلى أن ياسر عرمان يدرك جيدًا أن المجتمع السوداني لن يرضى بفصل الدين عن الدولة، ولكنه رغم ذلك ظل يصر على تحقيق هذا الطلب المستحيل ومحاولة إنزاله على أرض الواقع، بتمسكه به في معظم خطاباته وداخل جولات التفاوض، كذلك فإن عرمان بإقحامه أجندة الحزب الشيوعي في قضايا الحركة الشعبية قبل الانفصال ثم في قطاع الشمال أسهم ذلك في إطالة أمد الحرب بالبلاد، وهذا جعل كثيرين يرفضون أطروحة السودان الجديد من حيث المبدأ.. إلى نص الحوار..
حاوره: صديق رمضان
* لتكن بدايتنا لهذا الحوار ما انتهى إليه مشروع السودان الجديد الذي نعاه ياسر عرمان أخيراً؟
– مشروع السودان الجديد الذي بشرت به الحركة الشعبية كثيراً قبل انفصال الجنوب وبعد ذلك، توجد به بعض الإشراقات أو فلنقل المطلوبات التي يتفق حولها الجميع، وهي الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية والتنمية، ولا أعتقد بوجود من يرفض تنفيذ مثل هذه المطلوبات التي تعتبر من أساسيات الحياة، ولكن في تقديري أن المشروع صاحبته أطروحات تبدو غير واقعية أبرزها بطبيعة الحال علمانية الدولة.
*نرجو التفسير أكثر؟
– في تقديري أن المطالبة بعلمانية الدولة هي التي هزمت مشروع السودان وجعلته غير مقبول لدى قطاع واسع من السودانيين، الذين لا يمكن أن يتصالحوا مع مجرد فكرة فصل الدين عن الدولة، لأنها تخالف معتقداتهم تماماً، لذا فإن هذا المشروع سجل فشلاً ذريعاً، ومن الطبيعي أن ينعاه ياسر عرمان الذي أعتبره أحد أسباب فشل تطبيقه، بالإضافة إلى العلمانية.
*كيف يتحمل عرمان أسباب فشله؟
– ياسر عرمان يدرك جيداً أن المجتمع السوداني لن يرضى بفصل الدين عن الدولة، ولكنه رغم ذلك ظل يصر على تحقيق هذا الطلب المستحيل ومحاولة إنزاله على أرض الواقع، بتمسكه به في معظم خطاباته وداخل جولات التفاوض، كذلك فإن عرمان بإقحامه أجندة الحزب الشيوعي في قضايا الحركة الشعبية قبل الانفصال ثم في قطاع الشمال أسهم ذلك في إطالة أمد الحرب بالبلاد، وهذا جعل كثيرين يرفضون أطروحة السودان الجديد من حيث المبدأ.
*هل تعني أن انتفاضة أبناء جبال النوبة في الحركة الشعبية جاءت من واقع رفضهم تنفيذ أجندة جهات أخرى؟
– أسباب الانشقاق الذي حدث بالحركة الشعبية بجبال النوبة أو دعنا نقول المنطقتين أعتبره طبيعياً، وكان متوقعاً، وهو ليس غريباً بكل حال، فالطريقة التي كان يدير بها ياسر عرمان قطاع الشمال، لم تكن ترضي الكثير من أبناء النوبة الذين ظللنا معهم على تواصل دائم، وكذلك الإخوة في الحركة بالنيل الأزرق من أجل تغيير الواقع والنظر إلى مصلحة المواطنين بعيدًا عن أجندة عرمان، لأنهم من يدفعون الثمن، وليس هو، الذي ينتقل من دولة إلى أخرى ولا يدفع ثمن الحرب الباهظ، فكانت الانتفاضة ورفض وصاية عرمان ومن خلفه الحزب الشيوعي.
*ولماذا وقع ذات السيناريو بالنيل الأزرق؟
– لأن الظروف في المنطقتين تتشابه، ولا يوجد اختلاف كبير بينهما، فالمقاتلون أيضاً رفضوا الاستمرار في رفع السلاح دون نهاية، فهم ظلوا يأملون في كل مرة أن تفضي المباحثات في أديس أبابا بين الحكومة وقيادة الحركة الشعبية إلى حل ينهي الحرب، ولكن تأتي المحصلة لأكثر من ست عشرة جولة تفاوض متشابهة، وهذا جعل الشكوك تتسرب إلى نفوس المقاتلين بأن قيادة الحركة تبدو غير جادة لإيقاف الحرب .
*عفواً.. ربما الحكومة هي التي تتحمل مسؤولية عم الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب؟
– لا.. أولاً لا توجد حكومة في العالم ترفض إيقاف الحرب ونزيف الدماء، لإدراكها التام أنها تؤثر سلباً على الاقتصاد وكافة مناحي الحياة، وثانياً فإن كل الشواهد تؤكد بذل الوفود الحكومية كافة الوعود والالتزامات والحرص على الوصول لتسوية نهائية، ولكن في كل مرة فإن التعنت يأتي من جانب وفد الحركة الشعبية وخاصة ياسر عرمان بسبب إقحامها كل قضايا السودان في التفاوض وعدم تركيزها على القضية الأساسية وهي المتعلقة بالمنطقتين، لذا فإن الحركة تتحمل مسؤولية تطاول أمد الحرب.
*حديثك هذا يعني أن ياسر عرمان لم يعُد له مستقبل في قيادة الحركة الشعبية؟
– نعم.. هذه حقيقة تؤكدها الشواهد والمعطيات، النوبة قالوا كلمتهم وأكدوا رفضهم القاطع لقيادته، واختاروا عبد العزيز الحلو، وفي النيل الأزرق فإن قوات الحركة الشعبية رفضت استمرار عقار قائداً لها، ولولا قتل أحمد العمدة للقائد علي بندر لتم تنصيبه على رأسها لأنه كان من الرافضين للسياسة التي تدار بها الحركة الشعبية، وأستطيع التأكيد أن دور عرمان انتهى تماماً ولم يعد له وجود وكلمة مؤثرة في قطاع الشمال.
*ولكن رشحت أنباء عن اتجاهه لاستمالة قوات بالجيش الشعبي وقيادات للوقوف معه؟
– عرمان على الأرض ليس لديه جيش، فأهله بوسط السودان وشماله، وهؤلاء لا يمكن أن يحملوا السلاح من أجله، أما إذا أراد فعل ذلك باستقطاب قوات من الجيش الشعبي بالمنطقتين فلن يستطيع لأنه بات غير مرغوب فيه، بعد أن وصل الجميع إلى قناعة بأن وجوده على رأس قطاع الشمال يزيد الأوضاع في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق تأزيماً، ولن يقود إلى سلام ينشده كافة المواطنين.
*هل تعتقد أن الانتفاضة التي حدثت في مجلس تحرير جبال النوبة نتاج طبيعي لتمدد الرفض الشعبي للحرب بجنوب كردفان؟
– نعم.. بكل تأكيد فإن الرأي العام بالنيل الأزرق وجنوب كردفان بات ميالاً إلى السلام، ويطالب بضرورة إنهاء الحرب التي أثرت سلباً على كافة مناحي الحياة، والمواطنون في المنطقتين يتطلعون إلى حياة مستقرة تختفي فيها الدماء وأصوات الرصاص، وهذا من حقهم، لذا فإن مجلس التحرير استجاب لنبض المواطن وتفاعل معه ورأى أن أول خطوة يقدم عليها تتمثل في إبعاد الذين تسببوا في إطالة أمد الحرب وبالتأكيد على رأسهم ياسر عرمان بأجندته اليسارية التي لا علاقة لها بالمواطنين في الولايتين.
*تم تنصيب عبد العزيز الحلو، ألا تعتقد أنه لا يختلف كثيراً عن عرمان؟
– الحلو يختلف كلياً عن عرمان، وإذا كان الأمرغير ذلك، لمَ تم تنصيبه قائدًا للحركة الشعبية بجبال النوبة، والرجل أعتبره مؤهلاً لقيادة الحركة إلى السلام الذي بات مطلباً، وهو يمتلك كافة الإمكانيات المطلوبة، وسبق أن عمل نائباً للوالي بجنوب كردفان والتفاوض معه لن يكون عصياً مثل ياسر عرمان، لأن أجندة الحلو واضحة تتمثل في تسوية سلمية تحقق مكاسب للمواطنين بجنوب كردفان، وليس لديه أجندة بخلاف ذلك.
*ولكن ألا تعتقد أن تلفون كوكو حال عودته إلى البلاد أكثر تأهيلاً لقيادة الحركة الشعبية خاصة بجبال النوبة؟
– نعم أتفق معك تماماً، لأن تلفون كوكو من القيادات ذات الرؤية الثاقبة والتفكير العميق، وهو من أوائل الذين عارضوا منهج الحركة الشعبية، لأنه تنبّه مبكراً لوجود الكثير من الأخطاء التي تم ارتكابها بحق أهله بجبال النوبة، ولأن الحركة الشعبية بجنوب السودان تدرك جيداً تأثيره والكاريزما التي يتمتع بها وإخلاصه لقضية إهله عملت على وضعه مبكراً قيد الإقامة الجبرية حتى لا يلتف حوله أبناء النوبة بالحركة الشعبية الذين لهم تأثير كبير ومقدّر، ورغم امتلاك عبد العزيز الحلو صفات القائد، إلا أن تلفون كوكو عليه إجماع شبه كامل من النوبة وغيرهم .
*هل تعني أن عبد العزيز ليس عليه إجماع؟
– لا أعني ذلك.. ولكن أنت تعلم جيداً أن الاتفاق حول شخص تتفاوت نسبه وسط المجتمع، والحلو من الذين أخلصوا لقضية جبال النوبة، ويعتبر صاحب إسهام مقدّر لا يمكن إنكاره، والدليل على ذلك اختياره قائداً عقب إبعاد عرمان وعقار، ولا أعتقد أن عدم انتماء أحد الديه للنوبة تخصم منه وهم لا يفكرون بهذا المنطق، ولكن بكل تأكيد أن تلفون كوكو يحظى بإجماع كبير ووجوده مع الحلو من شأنه أن يسرّع من خطوات السلام في المنطقتين، لأنهما يدركان جيداً حجم معاناة المواطنين، كما أن قضيتهما الأساسية كما أشرت الحقوق بالنيل الأزرق وجنوب كردفان وليس السودان قاطبة كما يفعل ياسر عرمان الذي اختطف القضية الأساسية.
*وأين موقع مالك عقار من إعراب ما حدث، ولماذا انقسم الجيش الشعبي في النيل الأزرق؟
– مالك عقار للأسف حصل على الكثير من الفرص التي لو اغتنمها لتمكن من تحقيق إنجاز يحسب له، فهو كان واليًا على النيل الأزرق لأكثر من خمس سنوات، وهي فترة كافية لتحقيق إنجازات تقنع المواطنين بأنه رفع السلاح ووضعه من أجلهم، ولكنه للأسف انصرف ناحية صراعات لا معنى لها، كما أنه في قطاع الشمال ارتضى لنفسه أن يكون الرجل الثاني الذي يدور في فلك ياسر عرمان، وهذا وضعه في دائرة السخط من قبل المواطنين وقوات الفرقتين التاسعة والعاشرة، فكان طبيعياً أن يتم إبعاده، وأعتقد أن ما يربطه بعرمان مصلحة شخصية فقط، وإذا كان الأمر بخلاف ذلك لما وقف ضد قرارات الحركة بجبال النوبة، وهو فعلياً بعد الاقتتال الداخلي بين قوات الحركة الشعبية بالنيل الأزرق لم يعد يمتلك قوة مؤثرة في الميدان، وعليه تحكيم صوت العقل والانحياز للسلام.
*لماذا تراجع حجم التأييد الذي كان تحظى به الحركة الشعبية في المنطقتين؟
– يا عزيزي ..الحرب فاتورتها باهظة ويدفعها المواطن مكرهاً، لذا فإن السكان بالمنطقتين باتوا ينشدون السلام والاستقرار والتنمية ويرون أن الحكومة تبدو أكثر جدية للوصول إلى تسوية شاملة تنهي الصراعات المسلحة بالبلاد، لذا لم يعدوا يثقون في أطروحات الحركة الشعبية وعلى إثر ذلك تراجع التأييد الذي كانت تحظى به إلى أدنى مستوياته، وما حدث بجبال النوبة من تغيير يعبر حقيقة عن رأي الشارع بالمنقطتين الذي بدأ مزاجه يميل ناحية إحلال السلام ورفض الحرب.
*لماذا لم تنجح الوساطة التي قادتها حكومة الجنوب لرأب الصدع داخل الحركة الشعبية؟
– حكومة الجنوب تدرك أن كلمتها لم تعد مسموعة خاصة وسط أبناء جبال النوبة الذين اكتووا بنيرانها كثيراً حتى قبل الانفصال، وهي مهما فعلت من جهود للإبقاء على ياسر عرمان على رأس قطاع الشمال فلن تنجح لأن الكثير من المعطيات تغيرت، كما أنها لا تريد أن تفقد النوبة .
*ماذا تعني بحرصها على ألا تفقدهم؟
– ظلت الحركة الشعبية تعتمد بشكل كبير على مقاتلي جبال النوبة المعروف عنهم الشدة وقوة البأس، لذا فقد احتفظت بقوة بالجنوب بعد الانفصال قوامها أكثر من خمسة آلاف جندي وهي المسؤولة حالياً عن حماية الرئيس سلفاكير ميارديت، وتعلم جيداً أن وقوفها مع عرمان وممارستها لضغوط من أجل إعادته يعني الدخول في مواجهة مع النوبة قد تفضي إلى فقدانهم تماماً، لذا فإن حكومة الجنوب تعاملت مع ما حدث مؤخراً بقطاع الشمال بحذر واضح .
*ربما لأن “الفيها مكفيها”؟
– ما يحدث في الجنوب من موت ودمار تسبب في إحداث شرخ لا يمكن أن يندمل قريباً، فالصراع في الماضي كان بين الشمال والجنوب حول قضايا مطلبية، بيد أنه أخيراً وبعد انفصال الجنوب تحول إلى إثني، وهو بكل تأكيد أشد خطورة من السابق، لذا فإن هذه الدولة ستواجه مستقبلاً صعباً إذا لم تضع الحرب أوزارها ويحدث تغيير.
*تغيير؟ هل تعني ذهاب سلفا؟
– نعم.. وليس سلفاكير وحسب بل حتى رياك مشار لم يعد مؤهلاً لحكم الجنوب، وكلاهما عليهما التنحي لأنهما يتحملان مسؤولية ما حدث من عنف وموت ودمار .
*لنعد إلى السودان، كيف تنظر إلى إمكانية تحقيق تسوية شاملة بالمنطقتين؟
– هذا يحتاج لعمل مكثف من قبل الجميع، نعم الحكومة لم تقصر، وظلت تقدم التنازلات من أجل إحلال السلام، ولكن يجب ألا تصاب باليأس، وعليها بذل المزيد من الجهود والتنازلات لإقناع الطرف الآخر بأنها أكثر جدية وتصميماً على وضع حد للحرب بالبلاد، كما أن الحركة الشعبية عليها أن تدرك جيداً أن المواطنين بالمنطقتين ضاقوا ذرعاً بالاقتتال وأنهم باتوا يتطلعون إلى حياة مستقرة وآمنة، وعلى قادتها النزول على رغبة السكان في جبال النوبة والنيل الأزرق وكل أنحاء البلاد، ومطلوب من الرئيس المشير عمر البشير دور أكبر.
*ما هو المطلوب منه؟
– نعم، فإن المشير البشير ظل يحرص على أن تمد حكومته حبال الصبر على تطاول جولات التفاوض، ولكن أتمنى أن يقود مبادرة شخصية منه لإحلال السلام في المنطقتين مثلما فعلت حكومته بدارفور، وفي تقديري أن توليه لهذا الملف واتصاله بكافة الأطراف خاصة في الحركة الشعبية سيكون له وقع إيجابي ومن شأنه تسريع خطوات السلام وجعله واقعاً.
* أخيرًا.. أين الفريق عرديب؟
– موجود، وحزبنا كان مشاركاً في الحوار الوطني بفعالية وتأثير إيجابي، ورغم أن حصتنا في المشاركة في الحكم لم تأت حسب توقعاتنا، ولكن ما نزال أكثر قناعة بأن الحوار يمثل المخرج للبلاد، رغم أننا كنا نتمنى أن تتاح لنا فرصة العمل في الوزارات، وليس المجلس الوطني فقط، بصفة عامة نعمل بجدية لإنزال المخرجات، وأنا عضو بالمجلس الوطني الذي أشيد برئيسه البروفسير إبراهيم أحمد عمر الذي نرفض تماماً استهدافه لأنه قامة من قامات البلاد التي تستحق الاحترام والتقدير، وأتمنى بكل صدق أن يحل السلام بكل أرجاء البلاد، وبإذن الله لن نتوقف عن اتصالاتنا مع الإخوة في الحركة الشعبية من أجل إقناعهم بضرورة الانحياز لصوت العقل ووضع السلاح واختيار السلام والحوار منهجاً لحل مشاكل المنطقتين.
المجهر



