(الحواتة) سجلوا لها زيارة…ورسالة مؤثرة لـ(معتمد أمدرمان) من هناك..!!!

قبيل سنوات، زارني بالصحيفة، كان يتأبط حزمة من الأوراق و(حزناً) لا ينتهي، جلس إلى جواري وقال لي بصوت متهدج: (الحقوني ياجماعة…ولدي بضيع مني)، قمت بتهدئته قبل أن أطلب منه أن يروي لي حكايته، فأخبرني أن ابنه (مهند) تعرض لحادث أثناء لهوه مع أقرانه في الحي، ذلك الحادث الذي تسبب في إصابته بـ(الشلل التام)، لتبدأ رحلة معاناته مع الأطباء والفحوصات وغيرها، ويقوم بصرف حقوق عمله السابق على علاجه، قبل أن تتكالب عليه المنصرفات ويجد نفسه مجبراً لطرق أبواب الصحف عسى أن يجعل الله مخرجاً لمعاناته تلك.
(1)
حملنا أوراق الطفل (مهند) من والده الذي كان ينتحب آنذاك بشكل مؤثر، قبيل أن نقوم بإدراج مناشدة عبر صفحاتنا هذي، وما هي إلا أيام قلائل حتى اتصل (فاعل خير) بالصحيفة وتكفل بمساعدة (أبو مهند) وذلك عبر إرسال عدد من الأدوية والعلاجات الخاصة بالطفل من خارج السودان، تلك المساعدة التي أعادت الأمل في دواخل (أبو مهند) بأن يرى طفله الصغير يعود ويركض وسط أقرانه كما كان في السابق، وذلك (الحلم) أيضاً كان دافعاً له لأن يعمل في أي وظيفة هامشية كان يجدها أمامه وذلك في سبيل توفير ما تبقى من مستلزمات علاج ابنه.
(2)
قبيل أيام قلائل، أخبرني موظف الاستقبال أن هناك شخصاً يرغب في رؤيتي بشدة، فطلبت منه أن يسمح له بالدخول، لاتفاجأ بأنه (أبو مهند) والذي انقطعت أخباره عني منذ سنوات، لأنهض بسرعة لإلقاء التحية عليه قبيل أن اتفاجأ – وارتد مصعوقاً – وأنا أشاهد يده اليمنى جاثمة على صدره دون حراك، وقبل أن أسأله، رسم نصف ابتسامة على وجهه قبل أن يقول لي بهدوء: (أبو مهند لحق ولدو يا أستاذ).!
(3)
بعد فترة من الصمت، حكى لي أبو مهند عن مأساته الجديدة قائلاً: (تعرضت لإصابة بطلق ناري خاطئ في الرأس، ليقوم الأطباء بتشخيص الحالة قبيل أن يطلبوا مني إجراء عملية جراحية ضرورية، لكنني فضلت أن أوفر مبلغ تلك العملية لعلاج ابني، خصوصاً أن حالتي لم تكن خطيرة ولم أكن أتوقع على الإطلاق أن تتدهور إلى هذا الحد)، ويواصل: (بعد عام أو يزيد، بدأت أشعر بثقل في الجانب الأيمن لجسدي، قبيل أن أتعرض للشلل، وتتعرض أسرتي للضياع).
(4)
يواصل أبو مهند في الحكي، ويقول: (بعد إصابتي بالشلل، توقف علاج ابني مهند وذلك بعد أن أصبحت عاجزاً عن العمل، كما تعثرت في دفع إيجار المنزل الشهري الذي لا يتجاوز الـ(600) جنيه، ليقوم صاحب المنزل-أو الغرفة إن صح التعبير- برفع قضية ضدي ويطالب بمتأخرات الإيجار ويطالب كذلك بمقدم لعدة أشهر وذلك نسبة لعلمه بإصابتي بالشلل وتخوفه من عدم قدرتي على دفع الإيجار في المستقبل)، هنا قطع أبو مهند الحديث وانخرط في نوبة بكاء حارة، قبل أن يضيف من وسط دموعه: (ابنتي من المتفوقات وجأت الأولى على مستوى المحلية ورغماً عن ذلك هي الآن مهددة بعدم مواصلة الدراسة بسبب عدم امتلاكي ولو لجزء يسير من المال يساعدها في منصرفات الدراسة)، واختتم: (غايتو ربنا مايضوق زول الوجع العايشين فيهو أنا وزوجتي).
(5)
زوجة أبو مهند أيضاً حكت لـ(كوكتيل) جانباً من مأساتها وقالت وهي تذرف الدموع: (بعض النسوة نصحوني بأن الحل الوحيد لنهاية مأساتنا هذي أن يموت ابني)، وأضافت باكية: (بخلاف مشكلة زوجي وابني مع الشلل، نعاني حالياً من عدم توفر أبسط مقومات الحياة، حتى الأكل لا يتوفر بالمنزل، وأطفالي يمكن أن يقضوا يوماً كاملاً بلا طعام)، واختتمت: (بالطبع لن أحدثكم عن المنزل الذي نعيش فيه، فهو أمامكم ويمكن أن تتجولوا فيه وتشاهدوا بأم أعينكم كيف نعيش في غرفة واحدة قابلة للانهيار في أي لحظة وبالرغم من ذلك نحن مهددون بالطرد منها).
(6)
مجموعة (أقمار الضواحي) عقب علمها بمعاناة تلك الأسرة قامت فوراً -عبر المكتب التنفيذي لها- بتسجيل زيارة إلى منزل الأسرة بأمبدة، وقامت بجمع جزء يسير من المال بالإضافة لبعض المواد التموينية التي قدمتها للأسرة، تلك الزيارة التي كانت (كوكتيل) حاضرة خلالها وشاهدت فرحة أولئك الأطفال بتلك الزيارة، حيث أكد أبو مهند أن أطفاله لا يزورهم أي شخص لذلك فإن مجرد إطلالة هذا العدد المقدر من الأشخاص عليهم كافياً لأن يزرع في دواخلهم الاطمئنان والفرحة.
(7)
من جانبها بعثت مجموعة (أقمار الضواحي) برسالة مؤثرة للسيد معتمد أمدرمان، متمنية أن يقوم بتسجيل زيارة بنفسه لتلك الأسرة بأمبدة ليقف على أوضاعها المأساوية ويقوم بمد يد العون- كعادته دوماً-، كما ترجو (كوكتيل) من كل الخيرين وأصحاب الأيادي البيضاء أن يقفوا إلى جوار هذه الأسرة العفيفة ويسهموا ولو بالقليل، إن لم يكن من أجل إنقاذ تلك الأسرة وأطفالها من (الضياع) فمن أجل التأكيد على أننا لازلنا مجتمعاً (يسند الضعيف) ويقف صفاً واحداً ضد (الابتلاءات والمصائب والمحن).
السوداني



