أزمة الوقود.. (الحال) يغني عن (السؤال)!!

لأكثر من أربعة أيام وصفوف السيارات والمركبات العامة ترابط أمام محطات الوقود في انتظار دورها لصرف سلعة بدت هذه الأيام غالية وصعبة المنال.. إذ كيف يمكن لسائق سيارة أن يحصل على حصته من البنزين أو الجازولين.. أزمة تجدّدت مرةً أخرى وما زالت مُستمرةً فإلى أين تنتهي؟ سؤال الإجابة عليه كانت ميدانياً عبر جولةٍ شاملةٍ غطّت العديد من المَواقع فكانت هذه هي الحصيلة.
بداية الأزمة
عند انجلاء الأزمة الأسبوع الماضي، استبشر الجميع بأن الغيمة قد رحلت، لكن خلال يومين بدأ البطء يدب في محطات الوقود ما أرسل الإشارة بعودة الأزمة، وفعلاً لم تكذب المياه غطاس المُواطنين بعودة الصفوف مرةً أخرى، حيث وصلت محطات الوقد بشمال بحري ذروتها أمس الأحد بعد غياب المواد البترولية عنها.. وشُوهدت الصفوف التي فاق عدد السيارات في بعض المحطات الـ(50) سيارة، وانتشرت في جميع المحطات دون استثناء إلا في حالة الطلمبات المُتوقِّفة.
ازدحام!
مواقف المواصلات هي الأخرى شهدت ازدحاماً من المُواطنين الذين تقطّعت بهم السُّبل، وأصبح الحصول على كرسي في مركبة أشبه بالمستحيل، على الرغم من أن أزمة المواصلات تعاني منها الولاية بصورة عامة لكن انعدام الوقد زاد الطين بلّه دون تدخل رسمي.
الخرطوم أزمة ثالثة!
في الخرطوم لم يكن الحال أَفضَلَ، حيث يتواجد المنظر الثابت للصفوف الطويلة داخل المحلية التي تتّسم بضيق شوارعها ما خلق أزمة ثالثة، وهي أزمة مرورية ناتجة عن تكدس السيارات في الطرق بسبب محطات الوقد!!
خسائر
منذ الساعة العاشرة صباحاً في الطريق حتى الثانية عشرة ظهراً.. الوقت الذي قضته الشابة وئام عثمان في انتظار المواصلات من أمدرمان إلى وسط الخرطوم بـ(السوق العربي)، وبحسب ما ذكرت فإنّ الأزمة أثّرت بشكلٍ مُباشرٍ عليها وزميلاتها في الوصول إلى جامعاتهن بسبب انعدام حافلات النقل وتوقف المواصلات في غالبية الخُطوط ما اضطرها للجوء لعربة أجرة.
قصص أخرى وحكايات مسرحها صفوف محطات الوقود، فالفترة التي الطويلة التي يقضيها أصحاب السّيّارات في الصفوف خلقت علاقات بينهم، في الوقت الذي استغلها البعض في غسل سياراتهم، لكن ثمة خسائر غير مُعلنة يتكبّدها السائقون نتاج انتظار الصفوف لاستلام حصتهم من الوقود.
ما زال المسلسل مُستمراً!
فمنذ السابعة صباحاً يقف سائق الأمجاد محمد إسماعيل (32) عاماً أمام محطة وقود حتى استطاع تعبئة سيارته عند السادسة مساءً بعد أن طال بقاؤه في إحدى المحطات بوسط الخرطوم، بعد خروجه من المحطة خرج منتصراً فقد حصل على الوقد بحر ماله، لكن الخسارة التي تكبدها نتاج ضياع إيراده اليومي كانت أكبر بحسب ما وصف محمد وتحسّر لـ”التيار” عن ضياع إيراده اليومي بسبب فشله في الحصول على الوقود، وزاد: حاولت أن أحصل على الوقود من ثلاث محطات، وبعد جولة توصلت إلى أن هذه المحطة هي الأسرع، لكن للأسف كذلك ضاع وقتي في الانتظار بسبب تلك الأزمة!.
نفيٌّ وإثباتٌ
الأزمات بصورة عامة لا يجدي فيها الحديث السياسي، فهي واقعٌ ملموسٌ يُعايشه الجميع ويحكم عليه، فالسُّلطات التي نفت وجود الأزمة من قبل، اعترفت بها لاحقاً وجاءت بتبريرات انتظار بواخر النفط التي تفرغ حمولتها من ميناء بورتسودان بعد الإعلان رسمياً من قبل الحكومة عن وصولها، إضافةً إلى العذر السنوي الذي تسوقه الحكومة للمُواطنين بالصيانة الدورية لمصفاة الخرطوم للبترول في الجيلي.
مخاوف فشل الموسم الزراعي!
أثناء وصول فريق لطلمبة ماسا في حي المهندسين بأمدرمان وصل تانكر مُحَمّلاً بالبنزين، وتجمع حوله أصحاب المركبات الذين يحتمون بمظلة الطلمبة من هجير الشمس، وباتوا يباركون ويهللون ويكبرون بفرح كالذين وجدوا قربة ماء في صحراء قاحلة، وارتسمت علامات الرضاء والارتياح على وجوههم التي كساها اليأس وطول الانتظار، وتكاد ترى دموع الفرح على خُدُودهم!
فحكى البعض قصصاً مؤلمة عن طول الانتظار، فمنهم من يحكي عن رقبته الأكيدة لتسليم “الهايس” الذي يعمل به لصاحبه لعجزه عن توفير الإيراد اليومي المتفق عليه، مرجعاً السبب الأساسي الى أزمة الوقود الطاحنة التي ضربت البلاد ووقوفه لأكثر من يومين في طلمبة الوقود للتزود ومزاولة العمل، وفي المقابل حكى محمد عابدين صاحب مزرعة برسيم تخوفاته من فشل الموسم الزراعي نسبةً لتوقف الوابور الذي يَسحب له المياه من النيل الأبيض إلى مَزرعته لانعدام الوقود، ورفضت الطلمبات مدّه بالوقود اللازم نتيجة للتوجيهات التي حصرت الوقود لأصحاب المركبات فقط.
بئرٌ مُعطّلٌ
استفحلت أزمة الوقود بشدة هذه المرة.. ففي جولة بأمدرمان وما أكده مدير طلمبة ماسا أكبر (طلمبة بأمدرمان) أحمد حسن، وقطع مدير الطلمبة بأن الأزمة هذه المرة لم تحدث قط، والآن الاستهلاك الحالي فوق المتوقع، وأشار المدير إلى أن الأزمة بدأت منذ ديسمبر الماضي ثم تنجلي وتطورت قبل أسبوعين ثم قلت تدريجياً لكنها عاودت الارتفاع بحدة أكبر، وقال إن طلمبته لم تشهد مثل هذه الأزمة أبداً وإن الأوضاع تمضي نحو الأسوأ على حد تعبيره.
ويمضي مدير محطة وقود ماسا في حديثه قائلاً: “إنّ الطُلمبة لا يوجد بها احتياطيٌّ أبداً، وإنّ التناكر عندما تذهب إلى المستودعات الرئيسية يتم إعلامهم بأنّ المُستودع لا يوجد به وقودٌ، ولم تتم التعبئة لهم إلا منتصف النهار، وبعد المغيب تنتهي الكميات الموجودة لديهم”، ونبّه حسن إلى أن طلمبة ماسا تتلقى أكبر كمية من الوقود في أمدرمان، وبخصوص حديث وزارة النفط عن قدوم عدد من البواخر في ميناء بورتسودان مطلع الأسبوع الماضي، قال إنّ الواقع لا يتّسق مع حديث الوزارة وإنّهم لم يتلقوا أي كميات من الوقود ولم تشهد الأزمة انفراجاً.
وقال إنّه في اليوم يتلقى 17 ألف جالون من البنزين، و6 آلاف جالون من الجازولين، ونبه إلى أنه قبل الأزمة كان يتلقى حوالى (10 آلاف جالون بنزين) ولم تكن تنتهي، وأشار إلى أنه في الفترة الحالية نتلقى 20 ألف جالون في اليوم تنتهي في ساعات معدودة، أما الجازولين مهما كبرت الكمية فلم تلبِ الاحتياجات العالية عليها، وأرجع أزمة الوقود في الخرطوم لقلة الوقود في الولايات خاصة المركبات الكبيرة، وقال إن الوقود في الولايات في حالة ندرة.
هروب!
أضحت الطلمبات في أمدرمان تعبر عن حالة بئر معطل وقصر مشيد، ففي طلمبتي نبتة والنحلة بالمهندسين تحولت من مقصدها الأساسي بدلاً من تعبئة الوقود للمركبات، باتت مكاناً آمناً للهروب من سخانة الشمس من قبل أصحاب المركبات العامة الذين بلغ بهم اليأس أشده، وينتظرون تانكر الوقود كي يأتي ويفرغ حمولته في طلمبة ماسا التي تبعد حوالي 600 متر من طلمبة نبتة، وكل الطلمبات في الفتيحاب تخلو من الوقود، وأفاد عامل طلمبة في الفتيحاب بالانعدام التام للوقود.
المدارية



