شاهد بالصورة.. مواطن مصري يكتب عن الأيام الجميلة التي قضاها في السودان وعن آخر ليلة له في الخرطوم ويناشد أبناء بلده: (ساندوهم في احزانهم وعاشروهم واستمتعوا بوجودهم وحكاويهم اللي كلها قصص و ونسة وعراقة وبلاغة)

كتب مواطن مصري عن أيامه الجميلة التي عاشها في السودان والذي قضى فيه أجمل أيام عمره حسبما كتب في مقاله الذي تابعه الآلاف.

فقد كتب محمد طلبـه, محمد طلبـه:

اخر ليلة ليا في السودان كانت واحدة من اسوء ليالي حياتي… جهزت شنطي و ودعت بيتي .. عديت على كل ركنة فيه.. مطبخي الصغير جدا.. والعِدة (المواعين) القليلة.. الشبابيك اللي بتطل على ساحة الحِلة (الحي) فكل حي هناك عنده ساحة كبيرة عبارة عن ارض ترابية فاضية فيها جونين عشان الناس تلعب فيها كورة..

ودعت بُوري .. الحي الهادئ الجميل اللي كنت عايش فيه… ودعت شارع المعرض.. ودعت فرن العيش اللي كان بيملى الجو بريحة الخبيز الطازج وقت الفجر.. العيش الكيزر ابو ردة.. شبه شوية العيش الشمسي في صعيد مصر
ودعت شارع الستين ومسجد السنهوري.. وحي المنشية… اسمه شارع الستين عشان عرضه ستين متر.. وقبل ما اتريق على قلة الابداع افتكرت شارع التسعين في التجمع الخامس

ودعت شارع المطار ومطعم امواج.. الكفتة عندهم اسمها كباب.. كنت باتلخبط في الاول… لغاية ما اتعودت اني لما ابقى عايز اكل وجبة كفتة اقوله وجبة كباب .. ولما رجعت مصر قعدت شوية عشان اظبط تاني
ودعت شارع النيل عند الفلل الرئاسية.. دي فلل اتبنت بسرعة عشان تستضيف الوفود اللي كانت جاية تحضر القمة العربية اللي اقيمت في الخرطوم.. والقصر الجمهوري… وحييت الحرس اللي واقفين على الباب.. بيردوا لك التحية بخبطتين على الارض بسلاحهم

..حاجة كدة عظمة وفخامة ما شوفتهاش مع الحرس الملكي في لندن
ودعت ست الشاي.. والشاي اللي بالقرنفل اللي عليه ٣ طن سكر..ولو طلبته من غير سكر مش هتفهمك وهتحط لك طن واحد بس…. الجَبَنة (قهوة مغلية مُرة جدا) بتتقدم في القهاوي بطقوس خاصة.. بينزل معاها بخور كثيف بيعمل شبورة في كل المكان
ودعت قاعة الصداقة.. ودي قاعة المؤتمرات هناك.. شفت فيها اغرب معرض في العالم.. معرض للمانجة.. كنت فرحان بال ٣٠ نوع مانجة اللي عندنا لقيت هناك “معرض” وساحات وكرنفالات للمانجة.. عندهم مانجة اسمها قلب الطور .. تنطق جلب الطور (انا قعدت كتير يا جماعة عشان اعدل القاف والجيم) ودي مانجة في حجم البطيخ عندنا..

ودعت كل ده واكتر.. ودعت كل ده بالحزن والقهر والبكا وانا خارج من السودان لان خلاص عقدي انتهى وماليش مكان ولازم اروح اشوف اكل عيشي في مكان تاني.. ودعت كل ده وحاولت في اي فرصة اقدر اسافر ليها اسافر.. لغاية ما صعبوا الاجراءات وعملوا لها تصاريح امنية حطوا استثناء للي فوق ال ٤٥ سنة…والله العظيم كنت مستني ابقى ٤٥ عشان اعرف اروح تاني.. شفتوا طفولة اكتر من كدة؟!!
ودعت كل ده بقلب مكسور وانا الغريب اللي مر على البلد عشان ياكل عيش ويكون نفسه ويحوش قرشين.. انت متخيل بقى ابن البلد اللي مولود هناك واهله هناك وحياته كلها هناك؟!
خرجت منها وانا عارف انا رايح فين وقادر ارجع لها تاني.. انت متخيل بقى اللي خرج منها مضطر وساب بيته وماله وحياته وذكرياته واحبابه ومش عارف رايح فين ولا عارف هيرجع امتى؟!!
بكيت في اول ايام الحرب.. وعيني ورمت وانا بشوف الشوارع اللي كنت بامشي فيها والاسواق اللي كنت باشتري منها.. بكيت ولسة بابكي وانا المسافر العابر اللي عاش شوية سنين .. اللي شكلت كل قوتي ونجاحي.. فما بالك بالمواطن اللي اتولد وكبر واترعرع فبها ؟!!
سيبوا الناس في حالهم وساندوهم في احزانهم وعاشروهم واستمتعوا بوجودهم وحكاويهم اللي كلها قصص و ونسة وعراقة وبلاغة.

كوش نيوز

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.