حكاية مؤسسة (٢)..معهد الطيران المدني..الخطوات الأولى

حكاية مؤسسة (٢)..معهد الطيران المدني..الخطوات الأولى
كتب:إبراهيم عدلان
مع تباشير الاستقلال عن المستعمر البريطاني، وبروق شمس الحرية التي لاحت في أفق البلاد، أدرك القائمون على أمر الطيران المدني في السودان حجم الحرج الفني والمؤسسي الذي يواجه الدولة الوليدة. فقد كان قطاع الطيران من أكثر القطاعات اعتمادًا على العنصر الأجنبي، سواء في التشغيل أو الصيانة أو المراقبة والتنظيم، الأمر الذي كشف عن فراغ وشيك لا يمكن سده إلا ببناء كادر وطني مؤهل.
هذا الوعي المبكر بخطورة المرحلة قاد إلى اتخاذ أولى الخطوات العملية في تأهيل العنصر الوطني، حيث بدأت الدولة في ابتعاث عدد من الشباب السوداني إلى الخارج، خصوصًا إلى جمهورية مصر بحكم القرب الجغرافي والتشابه المؤسسي، وإلى بريطانيا بوصفها مصدر الخبرة الفنية والتدريبية آنذاك في مجال الطيران المدني.
لم يكن الابتعاث خيارًا ترفيًّا، بل حلًا اضطراريًا فرضته الحاجة الملحّة لضمان استمرارية التشغيل الآمن، ونقل المعرفة الفنية والتنظيمية إلى الكوادر الوطنية، تمهيدًا لمرحلة “السودنة” التي شملت مختلف مرافق الدولة. وقد شملت هذه البعثات مجالات المراقبة الجوية، والهندسة المرتبطة بالملاحة الجوية، وصيانة الطائرات، وإدارة المطارات، وهي التخصصات التي شكّلت لاحقًا العمود الفقري لمؤسسات الطيران المدني السوداني.
غير أن التجربة العملية سرعان ما أثبتت أن الاعتماد الكامل على التدريب الخارجي، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون حلًا مستدامًا. فتكلفة الابتعاث، وتباين المناهج، والحاجة إلى تدريب أعداد أكبر من الكوادر، كلها عوامل دفعت إلى التفكير في إنشاء مؤسسة وطنية للتدريب داخل السودان، تكون قادرة على نقل المعرفة، وتوطين الخبرة، وبناء أجيال متعاقبة من العاملين في مجال الطيران المدني.
ومن هنا، بدأت تتبلور فكرة معهد الطيران المدني، ليس فقط كمركز تدريب، بل كرافعة استراتيجية لبناء الدولة الحديثة، وضمان سيادتها على أحد أكثر قطاعاتها حساسية وتعقيدًا.
بدأت فكرة توطين التدريب في مجال الطيران المدني تأخذ شكلها العملي مع نهاية عام 1968، حين تم اختيار مجموعة من الشباب السودانيين للدراسة والتأهيل في تخصصات مختلفة مرتبطة بالطيران المدني، في خطوة وُصفت آنذاك بالجريئة والمفصلية في مسار بناء الكادر الوطني.
انطلقت هذه التجربة الأولى من داخل مطار الخرطوم نفسه، حيث جرى التدريب في البرج العسكري الواقع خلف مباني مطار الخرطوم القديمة، في بيئة بسيطة من حيث الإمكانات، لكنها غنية بالإرادة والرؤية. وقد شكّل هذا الموقع نواة عملية للتدريب، قبل قيام أي منشآت تعليمية متخصصة بالمعنى المعروف لاحقًا.
وأُسند الإشراف على هذه المجموعة الرائدة إلى الأستاذ طيب الذكر السر حسن بشير، أحد أعمدة الطيران المدني السوداني، والذي لعب دورًا محوريًا في نقل الخبرة، وترسيخ الانضباط المهني، وغرس المفاهيم الأساسية للسلامة والعمل المؤسسي لدى المتدربين. لم يكن إشرافه مجرد متابعة إدارية، بل كان فعلًا تأسيسيًا أسهم في وضع اللبنات الأولى لمدرسة سودانية في تدريب الطيران المدني.
يمكن القول إن تلك التجربة المتواضعة في مكانها وإمكاناتها، كانت في حقيقتها البذرة الأولى لمعهد الطيران المدني، ومنها تفرّعت لاحقًا المؤسسات والبرامج التي حملت عبء تأهيل أجيال متعاقبة من العاملين في هذا القطاع الحيوي.
(من التوطين التجريبي إلى النواة المؤسسية)
بدأت فكرة توطين التدريب في مجال الطيران المدني تأخذ شكلها العملي مع نهاية عام 1968، في مرحلة دقيقة من تاريخ السودان، حيث كانت الدولة الحديثة تسعى لملء الفراغ الكبير الذي خلّفه خروج العنصر الأجنبي، خصوصًا في القطاعات الفنية الحساسة، وفي مقدمتها الطيران المدني.
تشير الشهادات الحية والذاكرة المؤسسية إلى أن أولى بدايات معهد الطيران المدني لم تكن في مبانٍ مخصصة أو حرم تعليمي مستقل، بل انطلقت في ظروف شديدة البساطة داخل مطار الخرطوم نفسه، وتحديدًا في برج المراقبة الجوية العسكري الواقع خلف مبنى المطافئ بمطار الخرطوم القديم. هناك، وفي مساحة محدودة، وُضعت اللبنة الأولى لتجربة تدريب وطني ستترك أثرًا عميقًا في تاريخ الطيران المدني السوداني.
أُسند الإشراف على هذه التجربة الرائدة إلى الأستاذ طيب الذكر السر حسن بشير، الذي تولّى عمادة التدريب بصفته عميدًا غير متفرغ، واضعًا خبرته الطويلة في خدمة الجيل الجديد. وقد عاونه في تلك المرحلة عدد من الرواد والأساتذة، من بينهم:
• محمد نور الشيخ
• أليكس كركانس
• جورج شدياق
• يعقوب أبادير
• إدريس فضل الله (في مجال المطافئ)
استمرت هذه المرحلة التأسيسية لفترة قصيرة نسبيًا، قبل أن تنتقل التجربة إلى التدريب العملي المباشر في المطارات، في نموذج يجمع بين الدراسة النظرية والتطبيق الميداني، فرضته طبيعة الإمكانات والاحتياج العاجل للكادر المؤهل.
تكوّنت الدفعة الأولى من قرابة عشرين متدربًا، توزّعوا بين ضباط مطار وضباط لاسلكي، وشكّلوا النواة البشرية الأولى التي حملت عبء التأسيس. وبحسب الذاكرة المتاحة، كان من بينهم:
• عبدالكريم عبداللطيف
• ميسرة جالدونق
• تجاني أبو زيد
• صبري محمد حسن
• محمد البهرة
• الطيب محمد حسن
• نصار
• أسامة حسن شفيق
• محجوب محمد فهمي
• عثمان شريف
• عبد الواحد موسى
• أحمد عبدالرحمن
• حسن البكري
• عاطف عبدالله مسلم
• تاج الدين مكاوي (لاسلكي)
• عبدالقادر محمد ألجاك (لاسلكي)
وتشير الذاكرة كذلك إلى أن محمد أحمد حسوبة تولّى لاحقًا مهام العمادة في المبنى الحالي للمعهد، في مرحلة أكثر استقرارًا من حيث المكان والتنظيم، وهي مرحلة تحتاج إلى توثيق مستقل وأكثر تفصيلًا.
ولا يفوتنا التنويه إلى أن هذه الإفادات، رغم دقتها وأهميتها، تظل شهادات ذاكرة حيّة، قابلة للاستكمال والتدقيق مع استرجاع الوثائق والمصادر الأخرى. فالتاريخ المؤسسي لا يُكتب دفعة واحدة، بل يُستعاد على مراحل، وبجهد جماعي، وبأمانة علمية تُقرّ بما نعلم، وما ننتظر أن نتعلمه.


