محمد أزهري يكتب: الشفقة تطير!!

الشفقة تطير!!

محمد أزهري

الحرب أثرت في أعداد الناس بالقتل، وفي جيوبهم بالنزوح والتشريد، والشفشفة، وفي نفسياتهم بمآلاتها ومآسيها المريرة، وفي أشكالهم بقسوة ظروفها ومتاعبها، لكن يبدو صديقي (X) يعيش في جزيرة معزولة عن هذا العالم المؤلم.
هو يملك بمجمع تجاري ضخم، أحد زبائنه المفضلين صارت بينه وصديقي علاقة صداقة قوية وعرف كل منهما الآخر. ذات يوم حضر الزبون بسيارته ومعه أفراد من أسرته، بينهم فتاة فائقة الجمال تجلس في المقعد الخلفي، وبحكم الصداقة دعا الزبون صديقي ليلقي التحية على مرافقيه وعرفه (دا فلان ودا فلان ودي أختي).
من الوهلة الأولى وقع صاحبنا في حب شقيقة زبونه، ومنذ تلك اللحظة الخاطفة لم يهدأ له بال – طاشت قائمة الأسعار من كمبيوتر دماغه فأصبح يبيع بضائعه بأقل من تكلفتها، ويطلب القهوة كلما أفرغ كوبها حتى ظنت صانعتها أنه قد أصيب بخسارة مليارية أحرقت جوفه، وهي لا تدري من الذي حرقه بالكامل وشتت شمل ثباته المعهود. وليحسم الأمر قبل دخول عصر ذات اليوم، عاد إلى المنزل في غير موعده، ارتدى جلبابه الأنيق وطاقية مثل برج الفاتح، ثم أفرغ على جسده قنينة عطر (تركيب)، شكلت بقعاً متفرقة فأصبح ذاك الجلباب الأبيض الأنيق يشبه (شارع مدني المناقل).

امتطى سيارته، على أنغام الساحر (ود اللمين)، في إلياذته (خمسة سنين معاك يا زينة الأيام يا نوارة الحلوين مرت حلوة زي أنسام زي أحلام صبية ندية زي ياسمين ـ وزي هلت فرح دفاق في ضحكة عيون ناعسين زي لهفة بعيد مشتاق يلاقي أحبته الغالين).. وهي في الحقيقة كلها خمسة ساعات فقط لا غير، لكن صديقي الولهان اعتبرها خمسة سنين – خمسة ساعات مرت عليه وكأنها خمسة سنين عجاف – على طول الطريق يردد مع (ود اللمين) خمسة سنين، حتى وصل منطقة صديقه.

دخل القرية يسأل مثل مادح طار يبحث عن ديوان شيخ (الحلة)، أوصله (وصاف) كريم إلى المنزل، اتصل على صديقه وقال (يازول أنا برة البيت تعال مارق)، فوجئ الرجل بالطبع وتخيل عدة سيناريوهات أقربها أن يكون قد نسى عنده بعض ما اشتراه قبل ساعات، لكن كرمه تغلب على كل شيء ورد حبابك حبابك يا أبو الرجال، اتفضل.

اقتحم صديقي الصالون، وقبل أن يجلس حاول أن يكون شفافاً مع صديقه ويحسم الأمر في عُجالة، قال في شفقة تلازم حياته عادةً (يا خوي سلام عليك، قول عليكم السلام ـ أنا جاي طالب يد أختك). رد صديقه والصدمة تبدو عليه ظاهرة (أختي ياتا)، هنا اطمئن صاحبنا بعد أن وجد في الرد خيارات (ياتا)، قال (أختك الجات معاك قبيل الدكان وقلت لي سلم عليها، والله بصراحة عجبتني شديد وقلت أجيك بالباب عديل وأناسبك).

صمت الرجل قليلاً ثم انفجر ضاحكاً (يازول شفت الشافع الجاب ليك العصير دا ولدها وعندها تاني واحد أصغر منو). دخل صديقي في صدمة فقد معها حاستي النطق والسمع بالإضافة لحاسة التذوق، ثم ردد (ياسلاااااام يعني متزوجة)، غادر المنزل وهو لا يعلم أنه شرب كركدي أم تبلدي. غادر القرية كلها بعد أن شتم المغني بلفظ قذِع طال حتى شاعر خمسة سنين، غادر القرية وهو يردد الشفقة تطير، الشفقة تطير .. بعدها أغلق متجره ثلاثة أيام مصاباً بآلام حادة في الرقبة.




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.