محمد أزهري يكتب: قوم قِد!!

قوم قِد!!

محمد أزهري

الافتتاحات المتتالية لمؤسسات ودور عبادة في الخرطوم، تؤكد بنسبة كبيرة أن أجواء الخرطوم باتت آمنة من أية تهديدات محتملة، وهذا يظهر جلياً في حالة الطمأنينة الكاملة التي تعتري المسؤولين والحشود الكبيرة عند حدث افتتاح موقعاً ما.

الحمدلله ـ بالأمس جرى افتتاح مسجد الشهيد بالخرطوم، هذا المسجد تعرض لأكبر عملية تخريب وتدمير في بنيته التحتية نسبة لموقعه الحاكم واستخدامه كمنصة قناصين للمليشيا ومرتزقتها لمنع تقدم الجيش نحو المقرن والسوق العربي، لكنه تقدم وتقدم وكسر شوكتها في أرض النيلين وما زال يلاحقها حتى دوامرها غرباً.

بمناسبة افتتاحه أذكر ذات مرة قبل الحرب أوقفني شرطي مرور بمخالفة، أمام مسجد الشهيد، عقب صلاة الظهر. بدأ ـ ترخيصك، حاولت تملقه بالسلام ـ السلام عليكم كيفك يا جنابو، رد ببرود ترخيصك يا شيخنا ـ كنت أنتقد حركة تملق السائقين بالتحية الموغلة في الرجاء مع ابتسامة ماكرة تظهر ضرس العقل، لكنني فعلتها مضطراً وعذرت السائقين بعدها وهي عادة تحية تخرج من خارج القفص الصدري ولا يفعلها إلا مخالف ـ الإشارة كانت تغلي من زحمة السيارات وحرارة الجو ـ عاد ـ ترخيصك ـ بدأت رحلة بحث عميقة داخل السيارة مررت ستة عشرة مرة على رخصة السيارة، قلبتها ذات اليمين وذات الشمال، ظل يراقبني مثل أستاذ عبد السميع (ربنا يطراه بالخير)، فهو يراك أثناء كتابته على السبورة وآخيراً اكتشفنا أنه كان يراقبنا عبر عدسة نظارته ـ أدخل الشرطي يده وأخذها ألقى عليها نظرة خاطفة اعتقد أنه حفظها عن ظهر قلب ثم غادرني وهو يؤشر (تعال وراي).

ذهبت إلى موقع الدورية وبدأت مرحلة أخرى من الرجاءات دون فائدة، شرحت كل مشاكل حياتي لتفادي الإيصال، ربما نجحت في تعطيل الإجراء نوعاً ما لكن الشرطي رفض رفضاً قطعياً أن يرد إلي رخصة السيارة و القيادة، مرت ذهاء الثلاثة ساعات وأنا انتظر، مروا علي معارف وأصدقاء وزملاء ألقوا التحايا العابرة وأنا أجلس على مقعد السيارة بعد أن ركنتها على شارع النيل، جميعهم (يازول خير)، أرد بابتسامة عريضة (لالا خير تسلم) ـ الشرطي مشغول بسيارات أخرى ـ تدخل شاب يرتدي زياً مدنياً كان شاهداً على حواري مع الشرطي منذ بدايته حاول إيجاد حل غير مرضي بالنسبة لي قال (يا حبيب أنت قاعد ليك أربعة ساعات خارج نفسك)، قلت كيف رد (معقولة يا حبيبنا ما بتعرف تخارج نفسك كيف ياخ أكسرها للزول دا وأبقى مارق)، حسمت أمره بسرعة (والله لو أبيت في العربية دي ما بدفع رشوة) ـ المهم بعد أن بدأت الشمس في إسدال ستارها على مقرن النيلين، ركب الشرطي دراجته النارية مغادراً ساحة العمل رمقني بنظرة عابرة ثم استدار وعاد إلي قائلاً (يازول اها الفهم شنو) وقبل أن أرد أخرج رخصة السيارة و القيادة وألقاهما داخل السيارة، انتظر قليلاً ثم قال (مافي مشكلة اتخارج لكن بتجي تاني).

اللحظة التي حاولت فيها التحرك باغتني شاب تميزه جلحات زاحفة إلى منتصف رأسه، يضع منديلاً أحمراً بين لياقة القميص ورقبته ـ قال وهو يدلق على أذناي كلمات رنانة (ياشاب قاطع الكبري)، قلت نعم اتفضل ـ ركب وبدأ يرسل موجة من الهجوم على شرطة المرور، قال إنه كان يقف منذ فترة طويلة وانتبه لمشكلتي معهم، ثم كال سيل اللوم على سائقي السيارات الخاصة وتحسر على الأمة الإسلامية بسبب إنحسار فضيلة (فضل الظهر)، ثم نلت حظاً وافراً من الدعاء على لسانه اللبق، قطعنا الكبري وأنا متجه نحو طريق بانت ومنه إلى الفتيحاب وهو حسب حديثه واصل القرية (الجخيس) أقصى غرب كرري، قبل أن ينزل شرح لي محنته وهي تدور حول إصابة والده بجلطة دماغية الزمته العناية بمستشفى بشائر ويحتاج إلى إجراء صورة مستعجلة ومشواره إلى (الجخيس) بغرض وصول ابن عمه ليستدين منه مبلغ مالي للصورة وقال إن حالة والده ربما لا تنتظر مشواره هذا ثم انفجر باكياً بطريقة هستيرية، ركنت السيارة على جنب وبدأت في تهدأته ثم أخرجت كل ما في جيبي وهو كان مبلغ سبعة آلاف جنيه أخذت منها خمسة آلاف وأدخلتها في جيبه وقلت له (والله دي كل العندي والألفين دي خليتها أشيل بيها عيش للأولاد)، سكت قليلاً ثم بدأ وصلة جديدة من الثناء على شخصي، ثم استل منديله الأحمر وانخرط يمسح دموعه ويمرر المنديل إلى أن يغطي منطقة الجلحات، وهو يشكر الله على تدبيره، الرجل تجمد في المقعد بعد أن هدأ عاد للتفكير مرة أخرى وقال إنه لابد من الذهاب إلى (الجخيس) لأن المبلغ لا يكفي للصورة، هذه المرة دعم خوفه على حياة والده بأنه حتى إذا ذهب إلى هناك فإنه لا يعلم وجود ابن عمه من عدمه وبالتالي تكون الرحلة محفوفة بالمخاطر، قبل أن أرد عليه دخل في موجة بكاء ثانية بدون دموع هذه المرة، هنا قلت (يازول تم جميلك وأخد الأجر كامل طلعت الألفين ودخلتها في جيبه)، ما أن ضمن كل ما أملك دخل جيبه نزل بسرعة دون أن يكرر مشهد الثناء الأول، غادرني وهو يعيد ترتيب المنديل الأحمر حول رقبته، وأنا غادرت المكان، أحمل هم هذا الشاب وهم والده المريض وكل مرضى المسلمين، وعند وصولي المنزل قلت للمدام (ما عندكم عيش بايت).

والله لم أشعر بشيء غريب طوال وجوده برفقتي في السيارة بل كنت في غاية الحزن على وضعه، لكن للأمانة بعد أن قبض الألفين الآخيرة وتغيرت ملامحه بسرعة ثم انصرف دون إكثار من الشكر لعب (الفأر في عبي)، وشعرت إنني وقعت ضحية في شيء ما، انتظرت صباح اليوم التالي بفارغ الصبر، وعند الصباح اتصلت عليه ـ طبعا أخذت رقمه ـ للاطمئنان على صحة والده رد قائلاً (معاي منو ) قلت فلان – اسم عشوائي – قال ( يا فلان أنت موهوم أبوي شنو البتسأل منو الليلة معقولة ياخ أبوي ميت الليلة ولا أمس) ـ أحسست بغيظ شديد وقلت (يازول مش انت أمس قلت أبوك راقد في بشائر)، ضحك وقال (بشائر شنو ياخ قوم قِد)، ومنذاك الوقت اعتراني شعور مؤكد أنني زعيم الفارات في البلد دي ـ هذه الرحلة التي انطلقت من إشارة مسجد الشهيد جعلتي أطالب الدولة بضم اسمي إلى قائمة الشهداء الذين يرمز إليهم المسجد، ويحمل اسمهم بالمفرد (مسجد الشهيد). لم يكن هناك شهيد غيري في ذاك اليوم الأغبر.

ـ تفاديت الكسرة لأنها رشوة وحرام بعد أن رفضت مقترح الشاب ووقتها لا أعلم إن كان الشرطي يقبلها أم لا ثم احتفظت بأموالي إلى أن ظهر هذا المحتال وأخرجتها له بالحلال طوعاً لكنه أكلها بالحرام ـ تباً له ولأمثاله.




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.