أزمة شركة المطارات: الحرب كشفت خللاً قديماً في بنية قطاع الطيران!

أزمة شركة المطارات: الحرب كشفت خللاً قديماً في بنية قطاع الطيران!
بقلم: محمد حمد أبو عول
“تعقيب على ما كتبه الأستاذان بشير عبد الرحمن وإبراهيم عدلان”
تحية التقدير للأستاذين بشير عبد الرحمن بشير وإبراهيم عدلان على ما طرحاه من اهتمام صادق بقضية منسوبي شركة مطارات السودان المحدودة ومعاشيي الطيران المدني. ولا شك أن هذه القضية تمس جانباً مهماً من العدالة المهنية والوفاء لمن خدموا هذا القطاع الحيوي لسنوات طويلة.
فالعاملون والمعاشيون في هذا القطاع لم يطلبوا امتيازات استثنائية، بل يطالبون بحقوقهم التي تأخرت بسبب ظروف استثنائية مرت بها البلاد، وعلى رأسها الحرب التي أدت إلى تعطيل معظم المطارات وتراجع حركة الطيران بصورة كبيرة، وهو ما انعكس مباشرة على إيرادات الشركة.
لكن من المهم في تقديري أن ننظر إلى هذه الأزمة بقدر أكبر من العمق، لا باعتبارها مجرد نتيجة مباشرة للحرب، بل باعتبارها أزمة هيكلية في بنية قطاع الطيران المدني نفسه.
صحيح أن الحرب أدت إلى تعطيل حركة الطيران وتراجع الإيرادات، لكنها في الحقيقة سرعت في إظهار خلل كان قائماً منذ سنوات، وكان من المرجح أن تظهر آثاره حتى في الظروف الطبيعية.
هذا الخلل بدأ منذ قرار فصل المطارات عن منظومة الطيران المدني التي كانت تضم المطارات والملاحة الجوية والجانب التنظيمي تحت مظلة واحدة.
اقتصاديات المطارات بطبيعتها تختلف عن كثير من الأنشطة الأخرى، فهي تقوم أساساً على أصول بنية تحتية ضخمة عالية التكلفة في الإنشاء والصيانة، بينما تظل إيراداتها التشغيلية محدودة نسبياً إذا لم تكن جزءاً من منظومة طيران متكاملة.
وللتوضيح فقط، فإن إعادة تأهيل طبقة أسفلت واحدة لمدرج في مطار بحجم مطار الخرطوم يمكن أن تصل تكلفتها إلى ما يقارب 40٪ من إجمالي إيرادات السنويه للشركة في الظروف التشغيلية العادية. وهذه مجرد عملية صيانة أساسية ضمن متطلبات التشغيل الآمن للمطار.
وهذا يوضح أن المشكلة ليست فقط في تراجع الإيرادات بسبب الحرب، بل في الفجوة بين حجم الالتزامات الرأسمالية الضخمة للمطارات وبين مصادر الإيرادات المتاحة لها بعد الفصل.
ولهذا فإن معالجة الأزمة في تقديري ينبغي ألا تقتصر على البحث عن حلول إسعافية أو دعم مالي مؤقت، رغم أهمية ذلك في المرحلة الحالية، بل يجب أن تمتد إلى مراجعة الفكرة المؤسسية التي قام عليها هذا الفصل.
ففي عدد من الدول ما تزال منظومة الطيران تعمل تحت مظلة مؤسسية واحدة تجمع المطارات والملاحة الجوية والجهة التنظيمية، مع الفصل الفني والمهني بين الاختصاصات، وهو نموذج يحقق توازناً مالياً وتشغيلياً أفضل لهذا القطاع.
إن النقاش الحقيقي الذي ينبغي أن يُفتح اليوم ليس فقط حول كيفية معالجة الأزمة الحالية، بل حول كيف نبني نموذجاً مؤسسياً أكثر استدامة لقطاع الطيران المدني في السودان يحقق التوازن بين متطلبات البنية التحتية الضخمة للمطارات وبين مصادر التمويل والإيرادات.
فالمطارات في كل العالم ليست مجرد منشآت خدمية، بل أصول سيادية عالية التكلفة لا يمكن أن تعيش اقتصادياً بمعزل عن بقية منظومة الطيران.
ولهذا فإن معالجة الأزمة الحالية يجب أن تتجه إلى إصلاح البنية المؤسسية للقطاع نفسه، وليس فقط الاكتفاء بمعالجة آثار الأزمة.
إن الهدف في نهاية المطاف ليس فقط معالجة وضع شركة المطارات، بل بناء منظومة طيران مدني أكثر توازناً واستدامة تضمن:
استقرار البنية التحتية للمطارات.
استدامة التمويل.
حفظ حقوق العاملين المعاشيين.
واستمرار هذا القطاع الحيوي في أداء دوره الاقتصادي والاستراتيجي.
فالطيران المدني ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل منظومة سيادية متكاملة، وأي خلل في أحد أجزائها ينعكس بالضرورة على بقية الأجزاء.



