أزمة استحقاقات منسوبي شركة مطارات السودان: قراءة فيما وراء الأزمة الظاهرة

أزمة استحقاقات منسوبي شركة مطارات السودان: قراءة فيما وراء الأزمة الظاهرة

كتب: سامي محمد الأمين

تتصدر “أزمة الاستحقاقات” المالية لمنسوبي شركة مطارات السودان المحدودة المشهد العام كأزمة سيولة حادة ناتجة عن تداعيات الحرب. إلا أن القراءة التحليلية في اقتصاديات المطارات تؤكد أن هذا التعثر المالي ليس سوى “رأس جبل الجليد”، بل هو تجلٍّ متأخر لإشكالات هيكلية ضاربة في القدم. إن الأزمة الحالية ليست وليدة الحرب، بل هي نتيجة حتمية لنموذج إداري من المفترض تحوله من “الجهاز الحكومي التقليدي” إلى “المؤسسة التجارية المستقلة”، وهو تحول كان من المفترض أن يكتمل منذ عام 2010، لكنه ظل منقوصاً، مما جعل الشركة عرضة للمتاعب المالية عند أول صدمة جيوسياسية كبرى.

أولاً: تعود جذور الأزمة إلى العام 2010، حين تم فصل سلطة الطيران المدني (الرقابي) عن شركة مطارات السودان (المشغل). ورغم أن هذا التوجه يتماشى مع توصيات منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) بضرورة الفصل بين الوظائف التنظيمية والتشغيلية لضمان الشفافية والكفاءة، إلا أن عملية الفصل في السودان لم تكن مجرد إجراء إداري، بل كانت بمثابة “كشف حساب للمركز المالي المنفصل للمطارات السودانية”. فقبل هذا الفصل، كانت المطارات، بصفتها هيئة حكومية، تندرج مصروفاتها التشغيلية الحقيقية وتكاليفها الهيكلية خلف الإيرادات لخدمات الملاحة الجوية. كانت هذه الإيرادات، التي تُعد بطبيعتها إيرادات سيادية، تُستخدم لـ”دعم” أو “تغطية” المبلغ المطلوب تشغيلياً للمطارات، مما أخفى الإشكال الهيكلي في نموذج عملها.

بعد الفصل، وجدت إدارة المطارات نفسها مجردة من “عباءة” إيرادات الملاحة الجوية، لكنها لم تكتسب في المقابل الاستقلال المالي الحقيقي. بقيت تعمل وفق لائحة الإجراءات المالية العامة للدولة، بدلاً من امتلاك لائحة مالية تجارية مرنة تتيح لها إعادة استثمار أرباحها في تطوير الأصول وتوليد إيرادات جديدة. واستمرت الثقافة البيروقراطية في إدارة أصول استراتيجية وفق عقلية إدارة المكاتب الحكومية، وليس وفق عقلية “إدارة الأصول التجارية” (Commercial Asset Management). هذا التداخل حال دون استغلال الإمكانات الهائلة للأصول العقارية والتجارية للمطارات. أضف إلى ذلك للشركة هيكلاً وظيفياً تحتاجه لإبقاء المطارات مفتوحة للحاجة إليه لربط البلاد والتدخل العاجل في حالة الكوارث، وبالطبع لم يكن العائد يكفي ما يتم صرفه لحاجة التشغيل الفعلي.

بعد تمرد مليشيا الدعم السريع في ابريل ٢٠٢٣ واستهدافها الممنهج لقطاع الطيران، بما فيه المطارات، أسهم ذلك في تعطل وانهيار ما يمكن أن نطلق عليه “نموذج الدعم المتبادل” ، وتوقف الإيرادات السيادية. وحيث إن شركة مطارات السودان تعتمد تاريخياً على مطار الخرطوم الدولي كمحرك رئيسي للإيرادات لتمويل شبكة المطارات الولائية غير الربحية، فقد انهار هذا النموذج تماماً مع خروج مطار الخرطوم عن الخدمة. وتفاقم الوضع بعد أن ساد اعتقاد خاطئ بأن إيرادات مطار بورتسودان الحالية يمكن أن تكون كافية لتغطية نفقات منظومة المطارات الوطنية، ولأن مطار بورتسودان يُصنف حالياً كمطار “نقطة بداية ونهاية” (Origin & Destination) بحركة محدودة، تفتقر إلى عائدات الترانزيت والإيرادات غير الملاحية (Non-Aeronautical Revenues) الضخمة التي كانت تتوفر في الخرطوم.

وعلى صعيد آخر، تضطر شركة المطارات لتحمل تكاليف تشغيلية لمطارات متوقفة (صيانة، تشغيل، رواتب)، وهي تكاليف لا يمكن تغطيتها برسوم هبوط من مطار واحد (بورتسودان) يعمل بنحو 20% من طاقة القطاع السابقة.

ومما يزيد تفاقم الأمر تواصل نزيف الإيرادات من إعفاءات الطيران المتعلق بعمل المنظمات الأجنبية، كالأمم المتحدة وبرنامج الغذاء العالمي والهلال الأحمر. ففي ظل الظروف الاستثنائية تزايدت حركة الطيران التابعة للمنظمات الدولية والإنسانية، ورغم أهمية هذه الرحلات فإن الإعفاءات الكاملة أو الجزئية من رسوم الهبوط والإقلاع والخدمات الأرضية تمثل نزيفاً حاداً للإيرادات. الأدهى من ذلك أن غالبية هذه الطائرات هي في الأصل مؤجرة من شركات طيران تجارية عالمية، والتي قد تقوم غالباً بتضمين هذه الرسوم في عقود الإيجار المبرمة مع المنظمات. وبالتالي فإن الإعفاء لا يعود بالنفع على العمل الإنساني بشكل مباشر، بل يتحول إلى ربح صافٍ للشركات التجارية المؤجرة، بينما تُحرم شركة المطارات السودانية من إيرادات حيوية هي بأمس الحاجة إليها لسداد استحقاقات منسوبيها وتشغيل مرافقها. هذا الوضع يمثل خللاً فادحاً في الحوكمة المالية، ويستدعي مراجعة فورية لآليات منح الإعفاءات لضمان وصول الدعم لمستحقيه، باعتبار أنها رسوم خدمات وليست ضرائب.

أما الجانب المهم في الأمر، وفيما يتعلق باقتصاديات المطارات الحديثة، فإن الإيرادات غير الملاحية (Non-Aeronautical Revenues) تشكل ما بين 45% و65% من دخل المطارات الناجحة عالمياً. هذه الإيرادات تُولد من استغلال الأصول العقارية والتجارية المحيطة بالمطار أو داخل على خله، مثل الأسواق الحرة، الفنادق، مراكز المؤتمرات، المستودعات اللوجستية، ومواقف السيارات متعددة الطوابق والمطاعم وغيرها. وعند مقارنة هذا الوضع مع إيرادات المطارات العالمية وفقاً للمعايير المعتمدة عالمياً، يلاحظ أن المطارات الناجحة تشكل الإيرادات غير الملاحية فيها أكثر من 50% إلى 55% من إجمالي دخلها.

إن مطار الخرطوم الدولي، بموقعه الاستراتيجي ومساحاته الشاسعة، يمثل “أصلاً قيماً معطلاً” من الأصول غير الملاحية. فبدلاً من أن يكون مركزاً لوجستياً وتجارياً إقليمياً يدر عشرات الملايين من الدولارات، ظل يُدار بعقلية “مرفق حكومي” لا يستغل إمكاناته التجارية. هذا الوضع الاستثماري جعل الشركة تعيش “على الكفاف” من الإيرادات المرتبطة بالملاحة الجوية، وهو أول ما يتأثر بالحروب والأزمات، بينما تظل الأصول العقارية والتجارية للمطارات معطلة أو تُدار بعقود لا تعكس قيمتها السوقية العادلة. إن شركة مطارات السودان، في جوهرها، هي “شركة غنية بأصولها، فقيرة في تدفقاتها النقدية”، وهو تناقض يكشف عن إشكال حقيقي في الحوكمة الاقتصادية.

في ظل تداعيات هذه الأزمة يبرز مقترح “فخ” دمج قطاع الملاحة الجوية مع شركة المطارات كـ”طوق نجاة” مالي، باعتبارهما أجساماً تشغيلية. غير أن هذا التوجه يمثل خرقاً للمبادئ الدولية (ICAO Doc 9082)، وقد ينتج عنه تضارب مصالح. فالملاحة الجوية خدمة سيادية أمنية، ودمجها مع مشغل تجاري قد يؤدي إلى استخدام رسوم عبور الأجواء — وهي أموال مخصصة لتطوير أنظمة الملاحة — في تمويل قطاع المطارات. ولن يُحل ذلك الأزمة، بل ربما يخلق أزمة في قطاع الملاحة، ويجعل الطريق إلى تحويل المطارات إلى وحدات اقتصادية مستقلة ذات مركز مالي وقادرة على تحقيق عوائد، أسوة بالمطارات من حولنا، محفوفاً بالكثير من العقبات.

إن التفكير في الحلول الجذرية هو المطلوب. فيجب أن تكون المطارات شركة قابضة تعمل بقانون الشركات الخاص، مع مجلس إدارة محترف بعيداً عن التجاذبات البيروقراطية، مع تفعيل “إدارة الأصول التجارية”: طرح الأراضي والمساحات في المطارات العاملة (بورتسودان، كسلا، دنقلا) للاستثمار بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) لتوليد تدفقات نقدية فورية، مع التركيز على إعادة تقييم أصول مطار الخرطوم كـ”أصل قيم” غير مستغل للإيرادات غير الملاحية، خاصة مع إعادة بناء صالاته ومرافقه من جديد. ومن المهم جداً أتمتة دورة الإيرادات بالكامل لضمان التحصيل الفوري لكافة المستحقات، خاصة مع تغير سعر صرف العملة، بالإضافة إلى مراجعة شاملة لسياسات الإعفاءات، وإعادة تقييم جميع الإعفاءات الممنوحة للطيران الإنساني، الذي لا يوجد له — حسب المخاطبات مع كافة الجهات الرسمية بالدولة — أي سند أو مرجعية سوى خطاب لإعفاء رسوم المغادرة فقط لمنسوبي برنامج الأغذية العالمي. كما يجب التأكد أولاً من وجود هذه الإعفاءات وأنها تخدم الغرض الإنساني الحقيقي، ولا تتحول إلى دعم غير مباشر لشركات تجارية تؤجر الطائرات لهذه الجهات.

كما أن إنشاء صندوق سيادي لقطاع الطيران مستقل يمول من الدولة (عبر تخصيص جزء من الإيرادات السيادية) ومن سلطة الطيران المدني (عبر جزء من رسوم الملاحة الجوية)، يمكن أن يكون بمثابة صمام أمان مالي لقطاع الطيران المدني. يهدف هذا الصندوق إلى توفير السيولة اللازمة لمعالجة الأزمات الطارئة، ودعم صيانة البنية التحتية الحيوية، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، وحماية استحقاقات العاملين في الظروف الاستثنائية، بعيداً عن التجاذبات السياسية وتقلبات السوق، حيث إنه من الصعب جداً استعادة رأس المال البشري المتخصص في هذا القطاع الحيوي بالغ الأهمية.




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.