قلعة لبنان والخليفة طارق الهادي كيجاب

قلعة لبنان والخليفة طارق الهادي كيجاب
بقلم : لؤي المستشار
في صيف عام ٢٠١٧ تفاخرت في مجمع من الناس أني لم يتم تنويمي في مستشفى أبدا وعلى ما يبدو أنني نسيت أن أحمد الله الوهاب الحافظ الحفيظ فجائني الدرس سريعاً جداً ومرضت مرضا شديداً لمدة شهر أو تزيد والحمدلله ،وتم حجزي بمستشفى شوامخ بالعمارات وكنت أكرمكم الله اتقيأ حتى الماء وفشلت كل الادوية في ايقاف ذلك ، ولعلها فرصة ان اشكر كل من زارني في المستشفى حينها وهم أصدقاء كثر لا تزال ذكراهم حية ولم انس فضلهم في لحظات الضيق تلك، أطباء وشعراء ورموز مجتمع وأنيقات جلبن باقات ورود زكية كانت مثار تعليق خبثاء المدينة حينها😅 ،ولكني تجنباً للاطالة سأكتفي بذكر أمرين:
الاول : مشهد بنتي شهد وهي تمارضني وتشفق علي ، كنت ألحظها وترمقها عيني من طرف خفي وقد شبت عن الطوق وتبادلنا الأدوار بعد أن كنت من أسهر معها في صغرها أصبحت هي من تسهر معي وتدعو لي بالشفاء ، ذلك الشعور منحني الكثير من الطمأنينة في لحظات ضعفي وهشاشتي تلك وما أضعفك أيها الانسان.
المشهد الثاني : جاني الدكتور طارق الهادي كيجاب في المستشفى وقال لي أرحك العربية تحت ، قلت ليه ارح وين ؟ قال لي عازمك شية!
قلت ليه شنو؟ شية يا دكتور انا لي شهر ما أكلت والموية الزبادي الكاسترد العصير كله بتقيأه فوراً وانت تجي تقول لي شية ؟
ضحك وقال لي الناس منتظرنك في المطعم ان شاء الله تتونس بس .. قلت ليه ناس منو؟ قال لي حتلاقيهم وقرأ على رأسي الفاتحة وفك الدربات مني و خلا الكانيولا منورة في يدي ، المهم استسلمت له استسلام الشاة لذبحها والشاف طارق بعرف انه ضخم الجثة وطويل ويده ساي كان لبعك بيها بكسر فيك عضمين تلاته غايتو قطع شك نسبه متصل بقوم عاد وثمود 😅
رفعني ليك في العربية بالله زي المقشاشة وكنت حينها قد نحلت وهزلت أكثر علاوة على نحافتي الاصلية.
وداني ليك (القلعة اللبنانية) ووجدته قد حشد بعض الأصدقاء والجراحين على رأسهم د. ياسر قشي جراح العمود الفقري و مستر حسن بحاري جراح اورام العظام ومستر محمد عنايت عبد الحميد جراح العظام وآخرين .
طبعاً كل الحضور في القلعة اللبنانية في قمة الاناقة بدل وكرفتات ونساء يتزين بارقى الثياب وخواجات قاعدين هناك وانا جيت ماشي بجلابية بنية اللون ونص كم وبقايا القيء قد رسمت فيها خريطة نيكاراجوا وكانيولا وملامح تشبه جثة تم إخراجها من التابوت للتو .. ولو حدق في ملامحي نزلاء المطعم الراقي لولوا مني فرارا ولملئوا رعبا 😅
طارق جاب لي صحن شية وما قال لي أكل قال لي بمصطلحات طارق ( أقرض الصحن ده يازول) قلت ليه آكله كيف انا لي شهر ما اكلت وأسبوع في المستشفى وعندي منظار المهم زولك خلاني انضم و قال بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو العلي العظيم وعليك أمان الله حشر لي اللحمة في خشمي واكلني بالرجالة وانا خايف من الدبابير البتلمع في كتفه وخرجت من المستشفى بعدها بيومين😃
وسبحان الله كانت دي أول وجبة تثبت في معدتي منذ شهر وتكررت نفس القصة مرة تانية مع خالي مرشد الطريقة الختمية بمنطقة شندي المحامي محمد الحسن بابكر البدري طيب الله ثراه برضو ساقني للخليفة الحفيان قام جاب لي فتة لحمة ظابطة وأكلني ليه زي الحلاوة بحمد الله ولم اتقيأها .
أنا حكيت القصة دي ليه؟
عايز اقول انه طارق ده ياهو كدة ودي شخصيته كدة وصحيح انه دكتور شاطر جدا وملتزم علمياً واخلاقياً لكن عندو حاجاته حقته براه الما بتلقا ليها تفسير علمي ولا انضباط عسكري ولا بروتوكولات طبية معتمدة ، وهسي انا كان جاني عيان برص ليه كلام الطب كله وبحذره من الشية في موض زي مرضي داك .. وزي ما الفاتحة هي الفاتحة ولكن أين قلب عمر في القصة الشهيرة هنا برضو الشية ياها الشية ولكن أين بركة طارق؟
عشان كدة انا ما مندهش من خروج طارق من العسكرية ، لأن قواعد الانضباط الصارم في العسكرية لا يمكنها استيعاب روح طارق الوثابة والجريئة وانطلاقاته التي لا تعترف بالخطوط الحمراء ولا الصفراء .. وطارق ياهو كدة طارق ده يا تشيله كله يا تخليه كله .. ما بتقدر تغيره ولا تعمل ليه ديزاين على مزاجك.
عرفت طارق في مستشفى الخرطوم وكنت حينها طبيب عمومي وهو نائب اخصائي واذكر انه بلغ حدا من التفوق الاكاديمي بحيث أنه امتحن الزمالة البريطانية والبورد العربي والمجلس القومي للتخصصات الطبية في ثلاثة اشهر ونجح فيها جميعا بتوفق شديد ولا اعرف طبيباً آخر فعل مثله على الاطلاق.
أما طارق الانسان فلم يحدث أن ارسلت اليه مريضاً واخبرته انه فقير الا وعالجه مجاناً في عيادته بمستشفى فضيل.
وأما نزاهته وخلقه ورجولته فلم تكن محل شكوك أصلاً فهو الذي ثبت حين هرب الرجال وكان صوته مطمئنا لاربعين مليون سوداني حين بلغت القلوب الحناجر وظن الناس بالله الظنون ،ولعل الله الذي نظر الى اهل بدر فقال لهم اني قد غفرت لكم ان يتقبل من طارق جهده واجتهاده وان يغفر له ما أخطأ فيه ومحدثكم هذا اخطاؤه اكثر من اخطاء طارق ، ولكن نفس الكريم ترى اخطاء نفسها اولاً ونفس اللئيم ترى أخطاء غيرها وتعظمها وتغمط أفضال الرجال وتنكر المعروف وتغض الطرف عن الف حسنة ويعلو صوتها اذا رأت منها سيئة واحدة!
وحين كان كل شبر في الخرطوم محاصر بالخونة والغزاة كان الناس ينظرون اليه كدرويش متحمس مجذوب وهو يحدثهم عن اقتراب النصر وانه فوق الرؤوس بينما البعض ينظر اليه باشفاق شديد ظنا منهم أن رأس طارق نفسه سيعرض قريباً محمولا على يد أحد المجرمين!
وبينما كان طارق يقسم بالله اننا منتصرون كان المرجفون فق المدينة يحدثوننا أن الهزيمة لا محالة قادمة وحين كان سفهاء القوم يحدثوننا ان المجرمين لن يخرجوا من بيوتنا الا بالاستسلام ووقف قتالهم ومفاوضتهم على النهوض من اسرة نومنا واطقم جلوسنا وثياب زوجاتنا والسماح لهم بعمل ارتكازات لهم في الشوارع كان طارق يقسم بالله اننا عائدون منتصرون باذن الله وبعزم الرجال ، ولكن بعض الجاحدين ينسون والله قال في امثالهم ( ولا تجد اكثرهم شاكرين).
ان المحبة والوطنية التي يحملها طارق في قلبه لتراب الوطن ولانسان السودان الطيب لو وزعت على الساسة الذين يطوفون بعواصم البلدان البعيدة يحرضونها على غزو بلادهم وحصارها لو وزعت عليهم لوسعتهم و لبكوا خجلاً من فعائلهم.
بالطبع اختلف مع طارق في أشياء كثيرة ولا أجد حرجاً في ذلك ولم يؤثر ذلك في تقديري واحترامي له، اختلف معه في تجاوزه للانضباط العسكري واختلف معه في رأيه في لقاحات الاطفال واختلف معه في كذا وكذا ومليون حاجة وايس هذا مقام الحديث عنها، لكن ترمومتر محبتي له يشير الى اعلى مستوياته على الاطلاق ولو وضع طارق في كفة ووضع شانئوه في كفة لاخترت كفة طارق الانسان الطبيب العالم الخطيب الفارس الشجاع النزيه الخلوق المتواضع المهذب العفيف ولا ابالغ ان قلت أني أرى فيه سمت الاولياء الصالحين.
اللهم اجز طارق الجندي وطارق الطبيب وطارق الانسان خير الجزاء وانصر شعبنا وجيشنا وأبطالنا في معركة الوجود.
كسرة : بالمناسبة يا طارق بتي الصغيرة ديك السقتها معاي من المستشفى إلى غزوة (ذات المشاوي ) بقت دكتورة وان شاء الله تبقى شاطرة زيك.
هذا ثم انه على شهدائنا السلام وجنودنا السلام على جيشنا الابيض الف تحية وسلام.



