التفاوت في الأجور وأثره على الاستقرار الوظيفي في قطاع الطيران السوداني

التفاوت في الأجور وأثره على الاستقرار الوظيفي في قطاع الطيران السوداني

كتب: سامي محمد الأمين

“قراءة في مرحلة ما بعد برنامج الفصل”

كتب: سامي محمد الأمين

يُعدّ قطاع الطيران المدني شريانًا حيويًا للاقتصاد الوطني، ومحركًا أساسيًا للتنمية والربط الإقليمي والدولي وفي السودان، شهد هذا القطاع تحولات هيكلية مهمة، كان أبرزها برنامج الفصل الذي تم بموجبه فصل سلطة الطيران المدني عن شركة مطارات السودان قبل اكثر من عشرة سنوات ورغم أن هذا الفصل كان يهدف إلى تعزيز الكفاءة في الأداء من خلال تعظيم التخصص بين الدور الرقابي (
والدور التشغيلي (الشركة)، إلا أنه أفرز تحديات عميقة، لعل أبرزها وأكثرها تأثيرًا على الاستقرار الوظيفي هو التفاوت الكبير في الأجور وشروط الخدمة بين الكيانين. هذه المسألة، في وجهة نظري الخاصة، كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر برنامج الفصل برمته، مهددة الاستقرار الوظيفي ومؤدية إلى تسرب الكفاءات وهجرتها.

يهدف هذا المقال إلى تحليل الأسباب الجذرية لهذا التفاوت، واستعراض آثاره السلبية على الكفاءات والأداء العام للقطاع، وتقديم حلول مستدامة لضمان العدالة والاستقرار.

كخلفية تاريخية، تعود جذور الأزمة الحالية إلى عام 2012، عندما تم فصل سلطة الطيران المدني، التي تضطلع بالمهام الرقابية والتنظيمية، عن شركة مطارات السودان، المسؤولة عن الجوانب التشغيلية وإدارة المطارات. كان الهدف المعلن من هذا الفصل هو دعم وتطوير التخصصية والكفاءة، بما يتماشى مع المعايير الدولية التي تفصل بين الجهات المنظمة والمشغلة في قطاع الطيران. وكان من المتوقع أن يؤدي هذا التوجه إلى تحسين الأداء وتطوير القطاع ككل، من خلال تمكين كل كيان من التركيز على مهامه الأساسية.

بعد عملية الفصل مباشرة، تم إجازة شروط خدمة جديدة للعاملين بشركة مطارات السودان، اعتمادًا على كونها شركة يمثل مجلس الإدارة الجهة المختصة بالإجازة. وقد كانت تلك الشروط أكثر جاذبية من حيث الأجور والمزايا مقارنة بما قبل الفصل، مع نشوء إدارات جديدة وأقسام بهياكل الشركات في الشركة القابضة، وشركة مطار الخرطوم، وشركة المطارات الأكاديمية، وشركة الهندسة الاستشارية، وتحويل معهد الطيران إلى أكاديمية، مما وفر ادارات واقسام وفرت مزايا أكثر.

في المقابل، وجد منسوبو سلطة الطيران المدني أنفسهم محتفظين بنفس المرتبات وشروط الخدمة القديمة التي كانت سارية قبل الفصل رغم التحسينات التي طرأت ولكنها لم تتغير لتواكب التطورات الجديدة أو لتعكس طبيعة مهامهم الرقابية الحساسة، باعتبارهم في مؤسسة حكومية تحكمها ضوابط شؤون الخدمة العامة. هذا الوضع أدى إلى فجوة واضحة في الدخول بين الكيانين.

تفاقمت الأزمة عندما تم تعديل القانون لاحقًا في 2018، والذي أجاز لمجلس إدارة سلطة الطيران المدني إجازة شروط خدمة خاصة، وزيادة على ذلك أفردت المادة (22) من قانون سلطة الطيران المدني حق إجازة شروط خدمة خاصة للفنيين،( لم تتم إجازتها حتى الآن). لاحقًا تبنت وزارة المالية في العام 2023 قانون التعديلات الخاصة بولاية وزارة المالية على المال العام، وعدلت هذه المواد وأعادت السلطة إلى المربع الأول.

المهم أنه بعد إجازة قانون سلطة الطيران المدني لعام 2018، تمكنت سلطة الطيران المدني من إجازة شروط خدمة خاصة بها، والتي جاءت بدورها أفضل بكثير من شروط خدمة شركة المطارات. هذا التعديل، الذي كان يهدف – على ما يبدو – إلى معالجة التفاوت الأول، أدى إلى خلق تفاوت أكبر وأكثر تعقيدًا، حيث أصبحت شروط الخدمة بالسلطة تتفوق بشكل ملحوظ على تلك المطبقة في شركة المطارات.

ولم يقتصر هذا التفاوت على الأجور الأساسية فحسب، بل امتد ليشمل توفر الموارد للتدريب الخارجي والحوافز. وفي ظل محدودية الموارد المتاحة لشركة المطارات، وجد العاملون فيها أن فرصهم في الحصول على تدريب متخصص أو حوافز مجزية أقل بكثير مقارنة بزملائهم في السلطة، ممن كانوا معهم في نفس المؤسسة سابقًا (الهيئة العامة للطيران المدني). هذا الوضع خلق بيئة عمل غير متوازنة، حيث يشعر العاملون في قطاع واحد بالظلم وعدم المساواة مقارنة بالآخر، على الرغم من أنهم يعملون في نفس القطاع الحيوي.

إن التفاوت الكبير في الأجور والمزايا بين سلطة الطيران المدني وشركة مطارات السودان كان له آثار سلبية عميقة على الاستقرار الوظيفي والاحتفاظ بالكفاءات داخل القطاع. يمكن تلخيص هذه الآثار فيما يلي:

1. أدت الفجوة الكبيرة في المرتبات إلى شعور عميق بالظلم وعدم الرضا بين العاملين في الكيان الأقل حظًا، مما يؤثر سلبًا على دافعيتهم وإنتاجيتهم.

2. تأثير على الموارد والتدريب، حيث إن محدودية الموارد المخصصة للتدريب الخارجي والحوافز في شركة المطارات، مقارنة بالسلطة، تحرم العاملين فيها من فرص التطوير المهني المستمر، وهو أمر بالغ الأهمية في قطاع يتسم بالتطور التكنولوجي السريع مثل الطيران. وبدوره يؤدي ذلك إلى تراجع مستوى الكفاءات على المدى الطويل في الكيان المتضرر.

3. إضعاف الاستقرار الوظيفي، فعندما يشعر الموظفون بأن جهودهم لا تُقدَّر بشكل عادل، وأن هناك تفاوتًا غير مبرر في المعاملة، فإن ذلك يقوض ولاءهم للمؤسسة ويجعلهم أكثر عرضة للبحث عن فرص عمل بديلة، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الدوران الوظيفي، خاصة بين الكفاءات التي تجد صعوبة في التكيف مع بيئة عمل غير عادلة.

4. فقدان الكفاءات، إذ إن الفجوة في الأجور والمزايا تدفع الكفاءات المؤهلة، خاصة الفئات الفنية المتخصصة، إلى الهجرة إما إلى الكيان الأكثر جاذبية داخل القطاع، أو إلى قطاعات أخرى، أو حتى خارج البلاد، بحثًا عن ظروف عمل أفضل وأكثر عدالة. هذا النزيف في الكفاءات يضعف القدرة التشغيلية والرقابية للقطاع ككل، ويعرض سلامة الطيران للخطر.

5. تأثير على الأداء العام للقطاع، حيث يؤدي التفاوت إلى تراجع الروح المعنوية، وضعف الدافعية، وتراجع جودة الخدمات المقدمة، وقد يؤثر على مستوى الالتزام بالمعايير الدولية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على سمعة قطاع الطيران السوداني وقدرته التنافسية.

إن الوضع الراهن في قطاع الطيران السوداني يمثل تحديًا كبيرًا يتطلب معالجة فورية إذ يجب أن تقوم مبادئ الموارد البشرية الحديثة على تحقيق المساواة الداخلية والعدالة الخارجية في الأجور فالعدالة الداخلية تعني أن الأجور يجب أن تكون متناسبة مع قيمة الوظيفة ومسؤولياتها داخل المؤسسة الواحدة أو القطاع الواحد، بما يكفل للعاملين بجميع مستوياتهم حياة كريمة، ويوفر فرص التدريب والتعلم والتطور المهني بينما تعني العدالة الخارجية أن تكون الأجور تنافسية مقارنة بالسوق الخارجي، لجذب الكفاءات والاحتفاظ بها أسوة بمكونات القطاع الأخرى من شركات وغيرها.

إن معالجة هذا الخلل وتحقيق الاستقرار في قطاع الطيران السوداني يستوجب، بالضرورة، تبني حزمة من الحلول الشاملة والتي ترتكز على مبادئ المساواة والعدالة وتتمثل في الآتي:

أولًا: توحيد شروط الخدمة بالقطاع؛ يجب العمل على إجازة شروط خدمة موحدة لجميع العاملين في قطاع الطيران المدني، سواء في السلطة أو في شركة المطارات. هذه الشروط يجب أن تكون عادلة وتنافسية، وتُدعم من موارد الدولة في القطاع لضمان استدامتها. هذا التوحيد سيقضي على الفجوات غير المبررة ويخلق شعورًا بالمساواة بين جميع العاملين.

ثانيًا: الاعتراف بالتفاوت للفئات الفنية؛ مع تحقيق مبدأ المساواة في شروط الخدمة الأساسية، يجب الاعتراف بخصوصية الفئات الفنية المتخصصة من خلال منحهم علاوات إضافية تتناسب مع مسؤولياتهم الفنية الدقيقة وحساسية عملهم، وبما يحقق مبدأ العدالة في التقدير الوظيفي ويضمن الاحتفاظ بالكفاءات النادرة.

إن تطبيق شروط خدمة موحدة مع علاوات فنية متناسبة سيحفظ للقطاع استقراره، ويمكنه من تدوير الكفاءات داخله دون الخوف من فقدان المزايا الشخصية للموظف عند الانتقال بين الكيانين، وهذا يعزز من مرونة القطاع وقدرته على التكيف مع التحديات المستقبلية. وهنا يجب أن تضطلع الدولة بدورها في توفير الموارد اللازمة لدعم شروط الخدمة الموحدة والعادلة في قطاع الطيران من موارد القطاع نفسه. فالاستثمار في الموارد البشرية لهذا القطاع الحيوي هو استثمار في الأمن القومي والتنمية الاقتصادية. ويتطلب الأمر مراجعة شاملة للقوانين واللوائح المنظمة لقطاع الطيران المدني، بما في ذلك تلك المتعلقة بشروط الخدمة، لضمان توافقها مع أفضل الممارسات الدولية وتحقيق العدالة والشفافية.

ختامًا، فإن التفاوت في الأجور وشروط الخدمة في قطاع الطيران السوداني بعد برنامج الفصل سيظل تحديًا خطيرًا يهدد الاستقرار الوظيفي ويعيق تقدم القطاع وإن معالجة هذه القضية ضرورة استراتيجية لضمان سلامة الطيران وامنه والاحتفاظ بالكفاءات، وتحقيق التنمية المطلوبة وإن تبني سياسات أجور عادلة وشفافة، وتوحيد شروط الخدمة مع الاعتراف بخصوصية الفئات الفنية، ودعم الدولة لهذه الجهود، هي خطوات أساسية نحو بناء قطاع طيران مدني سوداني قوي ومستقر، قادر على أداء دوره الحيوي في إعادة الإعمار وبصورة تمكن القطاع من استعادة دوره في تعظيم الناتج القومي للدولة.




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.