عثمان ميرغني يكتب: سوبرماركت الدبلوماسية

سوبرماركت الدبلوماسية

عثمان ميرغني

كنت في زيارة لمدينة داكار، عاصمة السنغال الشقيقة. دعانا السيد سفير السودان إلى بيته. أثناء الجلسة الجميلة، ونحن نستمع إليه وهو يحدثنا عن نهضة هذا البلد الأفريقي الذي يقع على حافة الساحل الغربي للقارة، سألته: (ما هو أعظم موارد هذه الدولة الفتية؟).

إجابته أدهشتني، وظلت مرتسمة في ذهني لسنوات.
كان رده كلمة واحدة فقط. قال لي: (الدبلوماسية).
أن تكون الحنكة الدبلوماسية هي أعظم أصول دولة، فهذا يعني أنها تدير وتدبر سياستها الخارجية بذكاء، وترسم خطوط الطول والعرض في عالم اليوم المتسارع الإيقاع، بمنتهى الحكمة والرشد.

الدكتور مصطفى عثمان، أحد أطول وزراء الخارجية مكوثاً في المنصب، كان يكرر كثيراً عبارة منسوبة إلى وزير الخارجية الأسبق الأستاذ أحمد خير. فقد أفاض الأخير في شرح أهمية الدبلوماسية للدبلوماسيين السودانيين، حاثاً إياهم على التركيز على مصالح السودان في دول تمثيلهم. سأله أحد السفراء: (هل يعني هذا أن نحول السفارة إلى دكان؟). فكان جواب الوزير أحمد خير: (بل كنتين).

و”الكنتين” في اللهجة السودانية يقصد بها الدكان الصغير. أي: لا تستصغر المصالح مهما صغرت.
ودعني أستعير توصيف أحمد خير، لكن في سياق آخر. لنفترض أن الدبلوماسية مؤسسة ربحية، يُحسب فيها الأرباح والخسائر من خلال الفرق بين الوارد والمنصرف.

الوارد: ما يستفيده السودان من المؤسسة الدبلوماسية.المنصرف: مجموع ما يُصرف من حر مال الشعب السوداني على العمل الدبلوماسي.
يشمل ذلك ما يُصرف على وزارة الخارجية في مقرها الرئيسي، وكل حركة وسكون في عملها، ثم المرتبات بالدولار للأطقم الدبلوماسية في كل سفاراتنا حول العالم. ثم نقارن ذلك بالعائد، مع حساب رقمي مباشر للفوائد المعنوية أيضاً.
مثلاً: لنفترض أن السودان ينفق على العمل الدبلوماسي ما يعادل 500 مليون دولار سنوياً. يجب أن يحقق نشاطنا الدبلوماسي عائداً يتجاوز هذا الرقم.
صحيح أن البعض قد يعتقد أن هذا الأسلوب يشبه طريقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارة العلاقات الخارجية لبلاده، بمبدأ الربح والخسارة المباشر السافر دون أدنى حرج. لكنني هنا أقصد أهمية جرد العائد من السياسة الخارجية بصورة ترتبط مباشرة بمصالح الشعب السوداني.

سأضرب مثلاً: دولة عظمى مثل الشقيقة المملكة العربية السعودية. لا يمكن أن نحصر العلاقات معها في الشؤون القنصلية وبعض النشاط الفوقي المتصل بالوساطة لحل الأزمة السودانية، وربما المساعدات الإنسانية التي ظلت السعودية – عبر مركز الملك سلمان – تقدمها على مدى سنوات لشعب السودان.
السعودية دولة من مجموعة العشرين، ورغم أنها تتصدر عالمياً خاصة في الجانب الاقتصادي، إلا أنها تتجاوز ذلك لتلعب أدواراً محورية في السياسة الدولية.
هنا، لا أتوقع أن تكون العلاقات الثنائية معها في الإطار التقليدي المعتاد مع كل الدول. بل يُطلب من المؤسسة الدبلوماسية السودانية أن تثبت قدرتها على ترفيع هذه العلاقات الثنائية إلى مستوى يليق بهذه الدولة فائقة الأهمية عالمياً.
المسألة لا تعتمد على السفارة السودانية في الرياض وحدها. فالسفارات والسفراء ينفذون السياسة الخارجية لبلادهم ولا يستطيعون تجاوز الخطوط المرسومة لهم. لكن القياس يكون بمجمل السياسة الخارجية للسودان والعلاقات الخارجية التي تديرها المؤسسة الدبلوماسية، لترتقي بالعائد على السودان من علاقاته بالسعودية، على سبيل المثال.
وينطبق هذا على بقية الدول، بحيث نحصل في النهاية على ما قاله سفيرنا في داكار عن دولة السنغال: أهم أصولها “الدبلوماسية”.

الصورة المرفقة التقطتها لمطار داكار.

#حديث_المدينة السبت 11 أبريل 2026




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.