الإيبولا وخطر الانتقال جواً: لماذا أصبح بروتوكول السفر العالمي ضرورة؟ وأين السودان من هذه الجهود؟
بقلم: إبراهيم عدلان
ظل فيروس الإيبولا لعقود يُنظر إليه بوصفه أحد أكثر الفيروسات فتكاً بالإنسان، ليس فقط بسبب معدلات الوفيات المرتفعة التي قد تصل في بعض السلالات إلى ما بين 25% و90%، بل أيضاً بسبب ما يثيره من قلق عالمي كلما ظهر في بؤرة جديدة من القارة الإفريقية. ومع التوسع الهائل في حركة النقل الجوي، وتزايد أعداد المسافرين عبر الحدود، أصبح السؤال لا يتعلق بخطورة الفيروس وحدها، بل بقدرة العالم على منع تحوله من أزمة محلية إلى تهديد عابر للقارات.
ابراهيم عدلان يكتب: أن تأتي متأخراً خيرٌ من أن لا تأتي… “والخيل تجقلب والشكر لحمّاد”
من المهم علمياً تصحيح مفهوم شائع؛ فالإيبولا ليس مرضاً ينتقل عبر الهواء بالطريقة التي ينتقل بها الإنفلونزا أو كوفيد-19 أو السل. انتقاله يحدث أساساً عبر الاتصال المباشر بدم المصاب أو إفرازاته وسوائل جسمه المختلفة، كما أن الشخص المصاب لا يصبح ناقلاً للعدوى إلا بعد ظهور الأعراض عليه. ولهذا فإن مجرد الجلوس في الطائرة قرب شخص مصاب لا يعني بالضرورة انتقال العدوى، ما لم يحدث تعرض مباشر للسوائل الملوثة.
غير أن انخفاض احتمال الانتقال جواً لا يعني غياب الخطر. فالمطارات بطبيعتها تمثل نقاط تجمع كثيفة للبشر، والمسافر المصاب خلال فترة ظهور الأعراض قد ينتقل خلال ساعات بين عدة دول وقارات قبل اكتشاف حالته. وقد أثبتت تجارب سابقة أثناء تفشي الإيبولا في غرب إفريقيا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الهواء داخل الطائرة بقدر ما يكمن في سرعة حركة البشر عبر شبكات النقل العالمية. وتشير تقارير تتبّع السفر الجوي إلى أن حالات السفر المصحوبة بالأعراض دفعت السلطات الصحية إلى عمليات واسعة لتتبع المخالطين.
ولذلك بدأت العديد من الدول والمنظمات الدولية بتطوير إجراءات احترازية في المطارات والمنافذ الجوية، تشمل:
- الفحص الصحي للمسافرين القادمين من مناطق التفشي.
- جمع بيانات المخالطين وسجلات السفر.
- المراقبة الصحية لمدة تصل إلى 21 يوماً بعد التعرض المحتمل.
- تقييد سفر الأشخاص ذوي المخاطر العالية.
- تدريب طواقم الطيران والمطارات على إجراءات العزل والاستجابة السريعة.
- إنشاء مسارات خاصة لنقل الحالات المشتبه بها.
وشهدت الأسابيع الأخيرة تشديداً لإجراءات السفر في بعض الدول مع ظهور بؤر تفشٍ جديدة في إفريقيا الوسطى والشرقية، حيث اتجهت السلطات الصحية إلى تطبيق إجراءات فحص ومراقبة إضافية للمسافرين القادمين من المناطق المتأثرة.
لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، ما زالت في كثير من الأحيان تعتمد على قرارات منفردة لكل دولة. وهنا تبرز الحاجة إلى بروتوكول عالمي موحد للسفر الجوي في حالات الأوبئة عالية الخطورة.
هذا البروتوكول ينبغي أن يتجاوز الفحوصات التقليدية ليشمل إطاراً متكاملاً يقوم على:
أولاً: توحيد المعايير الصحية في جميع المطارات الدولية.
ثانياً: إنشاء منصة رقمية مشتركة لتبادل المعلومات الصحية للمسافرين بين الدول.
ثالثاً: اعتماد بطاقات صحية إلكترونية مرتبطة بالمخاطر الوبائية.
رابعاً: وضع إجراءات موحدة لعزل الحالات على متن الطائرات.
خامساً: تدريب أطقم الطيران والمراقبة الجوية وإدارة المطارات بصورة دورية.
سادساً: التنسيق المباشر بين سلطات الطيران المدني والسلطات الصحية.
مثل هذا البروتوكول ينبغي أن يتم تطويره بصورة مشتركة بين World Health Organization وInternational Civil Aviation Organization مع سلطات الطيران المدني الوطنية.
أين السودان من هذه الجهود؟
السودان يحتل موقعاً جغرافياً حساساً للغاية؛ فهو يمثل نقطة عبور بين شمال إفريقيا ووسطها وشرقها، كما يجاور عدداً من الدول التي شهدت تاريخياً تفشيات لأمراض وبائية مختلفة. وهذا الموقع يمنحه أهمية استراتيجية، لكنه في الوقت نفسه يجعله أكثر عرضة للمخاطر الصحية العابرة للحدود.
قبل الحرب، كان السودان يمتلك خبرات جيدة في مجال الصحة الجوية والحجر الصحي بالمطارات، خاصة في مطار الخرطوم الدولي، مع وجود تنسيق بين سلطات الطيران والجهات الصحية. لكن سنوات الحرب وما رافقها من تدهور للبنية التحتية أثرت بصورة كبيرة على قدرات الاستجابة والتأهب.
وفي مرحلة إعادة بناء قطاع الطيران المدني بعد الحرب، قد يصبح من الضروري أن تتضمن خطط الإصلاح:
- إعادة تأهيل وحدات الحجر الصحي بالمطارات.
- إنشاء مركز وطني لإدارة المخاطر الصحية الجوية.
- إدخال أنظمة إلكترونية لتتبع المسافرين.
- تدريب العاملين في المطارات والمراقبة الجوية على إدارة الأزمات الصحية.
- تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية.
لقد أثبتت الأوبئة الحديثة أن الأمن الصحي لم يعد قضية طبية فقط؛ بل أصبح جزءاً من الأمن القومي، والأمن الاقتصادي، وأمن النقل الجوي.
إن الإيبولا لا يسافر عبر الهواء، لكنه قد يسافر عبر شبكة النقل الجوي العالمية. والفرق بين أزمة محلية وكارثة دولية قد يكون مجرد رحلة جوية واحدة غير خاضعة للرقابة المناسبة. ولذلك فإن السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى بروتوكول عالمي للسفر؟ بل أصبح: كم سيكلف العالم تأخير الاتفاق عليه؟
٢٣ مايو٢٠٢٦
