شؤون الأفراد والعلاقات العامة في مصلحة الطيران المدني السوداني… أيام كان النظام مؤسسةً والإنسان قيمة
بقلم: صلاح عثمان
الضابط الأسبق لشؤون الأفراد
كلما تقدمت بنا السنون، وعدنا بذاكرتنا إلى مصلحة الطيران المدني السوداني في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، نزداد يقيناً بأن سر النجاح لم يكن في المباني ولا في المعدات وحدها، بل في الإنسان الذي أدار المنظومة، وفي “السيستم” الذي حفظ الحقوق والواجبات، وجعل المؤسسة أكبر من الأفراد.
كانت إدارة شؤون الأفراد يومها أشبه بقلب نابض داخل المصلحة. لم تكن مجرد إدارة تحفظ الملفات أو تصدر القرارات، بل كانت بيتاً مفتوحاً للعاملين، تعرف أحوالهم قبل أن يطرقوا أبوابها، وتسعى لمعالجة مشكلاتهم بروح الأسرة الواحدة.
أتذكر بكل التقدير والوفاء رجالاً ونساءً وضعوا اللبنات الأولى لهذا البناء الإداري الراسخ، وفي مقدمتهم الأستاذ حيدر محمد كبسون، والأستاذ فرح حسن، والأستاذ صلاح بشير، والأستاذة بديعة حسن، والدكتور علي حسن تاج الدين، والأستاذ شاور، وغيرهم من الكفاءات التي آمنت بأن الموظف هو رأس مال المؤسسة الحقيقي.
كان العامل بالطيران المدني يشعر بأن المؤسسة تقف خلفه في تفاصيل حياته كافة. فالسلفيات المالية كانت متاحة وفق لوائح واضحة وعادلة، والخدمات الاجتماعية تمتد إلى داخل البيوت عبر مبادرات وفرتها نقابة الموظفين بقيادة الأستاذ الطيب عبد العليم، حيث استطاعت الأسر اقتناء الأجهزة المنزلية والأثاث من خلال ترتيبات ميسرة تحفظ كرامة العامل وتساعده على بناء حياته.
كما أتاحت الدولة آنذاك سلفية المباني الصغرى بتمويل من وزارة المالية والاقتصاد الوطني، وكان يشرف عليها رجال أفاضل مثل المفتش عدلي والمفتش أبشر. وربما تبدو الأرقام اليوم متواضعة، لكنها في زمانها كانت تمثل دعماً حقيقياً يساعد العامل على بناء مستقبله.
أما العلاوات والبدلات فكانت جزءاً من فلسفة متكاملة للاعتراف بالجهد وتحفيز الأداء. فالعلاوة السنوية وعلاوة غلاء المعيشة وعلاوات السكرتارية كانت تصرف وفق لوائح الخدمة العامة، بينما خص الطيران المدني العاملين فيه بعلاوات مهنية مثل علاوة المطار وعلاوة الحج، إلى جانب العلاوات الفنية التي كانت تقديراً لطبيعة العمل التخصصي الذي تقوم عليه صناعة الطيران.
وكانت البدلات المختلفة، من بدل الأجر الإضافي وبدل المأمورية وبدل الإنابة وبدل الميل وبدل الوجبة، أدوات إدارية تهدف إلى تحقيق العدالة بين العاملين وضمان عدم تحمل الموظف أعباءً إضافية دون مقابل مستحق.
لكن الصورة لم تكن تكتمل إلا بإدارة العلاقات العامة، تلك الإدارة التي صنعت الوجه المشرق للطيران المدني السوداني في الداخل والخارج. كانت العلاقات العامة مدرسة قائمة بذاتها، تجمع بين الثقافة والإعلام والفن والاتصال المؤسسي.
ويحق لنا أن نذكر هنا بكل الامتنان أسماء أسهمت في تأسيس هذا المشروع الحضاري، ومنهم الأستاذ محمد خوجلي صالحين مدير الإذاعة، والأستاذ أحمد محمود مدير التصوير الفوتوغرافي، إلى جانب كوكبة من رجال الفن والأدب والبحث والصحافة والموسيقى الذين ربطوا الطيران المدني بالمجتمع السوداني، وجعلوا من المؤسسة حاضرة في وجدان الناس لا في المطارات وحدها.
كانت العلاقات العامة آنذاك تنظم المعارض والاحتفالات والزيارات والبرامج الإعلامية، وتقدم صورة مشرقة عن السودان وعن الطيران المدني السوداني. وكان العامل يشعر بالفخر لانتمائه إلى مؤسسة تحظى بالاحترام والتقدير داخل البلاد وخارجها.
لقد تعلمنا في تلك السنوات أن المؤسسة القوية لا تبنى بالقرارات وحدها، بل تبنى بالأنظمة العادلة، والقيادات الواعية، والعاملين الذين يؤمنون برسالتهم. وكان الطيران المدني السوداني نموذجاً لهذا الفهم، حيث تضافرت جهود الإداريين والفنيين والعاملين في مختلف المواقع لتقديم تجربة مهنية وإنسانية ما زالت حاضرة في الذاكرة.
واليوم، ونحن نسترجع تلك الأيام، لا نفعل ذلك بدافع الحنين وحده، بل لأن فيها دروساً تستحق أن تُروى للأجيال الجديدة. فقد كانت تلك الفترة شاهداً على أن النجاح المؤسسي يبدأ من احترام الإنسان، ومن وجود نظام يعمل لخدمة المؤسسة لا لخدمة الأفراد.
أما أنا، فما كنت سوى واحد من الذين تشرفوا بالعمل تحت ظلال تلك الدوحة الوارفة. خمس سنوات من العطاء والتعلم والمحبة، غادرت بعدها المكان، لكنه لم يغادرني يوماً. وما زال لساني يردد بكل فخر وامتنان:
“أنا ما غريب أنا منكم
صلاح عثمان الطيران المدني (الأصل )
