عثمان ميرغني يكتب: إعادة «تعريف» المخاطر والتهديدات عربيًا

إعادة «تعريف» المخاطر والتهديدات عربيًا
عثمان ميرغني
مقالي بمجلة ” الوطن العربي”..
قبل حوالي عامين، شاركت في ندوة أقيمت في الجزائر على هامش قمة عربية، بعنوان «دعم العمل العربي المشترك». ظل يلحّ على خاطري سؤال محوري: ألم يحن الوقت، بعد كل هذه العقود، لأن تراجع جامعة الدول العربية بعض المصطلحات التي سادت المشهد العربي؟ وعلى رأسها كلمة مفتاحية تشكل عقدة الانطلاق نحو مستقبل أكثر إشراقًا. الكلمة هي «المشترك»، التي ظلت واحدة من مسلمات الخطاب العربي السياسي، خاصة في مواسم القمم.
عثمان ميرغني يكتب: السلطنة: وساطة هادئة في الملف السوداني
قضية العرب المركزية
وصف القضية الفلسطينية بأنها «قضية العرب المركزية» كان من أهم العوامل التي أضعفت توسيع قاعدة المناصرين من غير العرب. والدليل على ذلك التوسع الإسرائيلي في القارة الأفريقية منذ الثلث الأخير من القرن العشرين، مستفيدًا من كون «القضية عربية» فلا شأن للأفريقي بها، رغم أن نحو نصف الدول العربية تقع في أفريقيا. في المقابل، إسرائيل دولة آسيوية لا يربطها جوار قاري بالدول الأفريقية.
على النقيض تمامًا من التجربة في جنوب أفريقيا، حيث سيطرت أقلية أوروبية على غالبية أفريقية وطبّقت نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد). نجح الأفارقة في تحويل قضيتهم إلى قضية عالمية — وليست أفريقية فقط — ترتبط بحقوق الإنسان وكرامته، لا مجرد مواجهة بين أبيض وأسود. فاتسعت المقاطعة الدولية لنظام الأبارتهايد حتى بلغت مرحلة إجماع شبه كامل: أدى لمنع جنوب أفريقيا من المشاركة في الأولمبياد، وحظر توريد السلاح، وطردها من بعض هيئات الأمم المتحدة، وتضامن مشاهير الفنانين العالميين بعقد مهرجانات موسيقية في كبرى العواصم. شكّل ذلك عزلة كاملة لم تخرج منها إلا بسقوط النظام العنصري عام 1990.
الإفراط في الاستخدام السياسي لمصطلح «العمل العربي المشترك» كتعويذة لتوصيف العمل العربي عمومًا أقام حاجزًا غير مرئي أمام كثير من القضايا التي ترتبط بالعرب رغم كونها في جوهرها قضايا إنسانية تتسع لكل صاحب ضمير حي.
شهدت الحرب الأخيرة في غزة تناميًا شعبيًا عالميًا في أوساط غير رسمية، مثل التظاهرات في الجامعات الأمريكية، لكن هذا التضامن ظل محاصرًا ومحدود التأثير تحت وطأة التصنيف التاريخي بأنها «قضية العرب المركزية».
«تعريف» قبل «ترتيب» المخاطر
في السياق العام، يمثل تجنب النظر في المسلمات التاريخية الراسخة ومراجعتها التهديد الأساسي، الذي تتناسل منه تهديدات أخرى أشبه بالصواريخ المتشظية.
تتحقق هذه المراجعة بطرح أسئلة جريئة، مثل:
• هل لا تزال الجامعة العربية صالحة لتكون إطارًا سياسيًا، أم أن الإطار الثقافي أقوى تأثيرًا، وقد تتدلى ثماره على الواقع السياسي بصورة غير مباشرة؟
• أيهما كان أقوى في توحيد العرب: خطب الرئيس جمال عبد الناصر أم أغاني أم كلثوم؟ كتب القومية العربية أم قصائد أحمد شوقي؟
الفكرة هنا لا تنهض على رفض القومية العربية كإطار سياسي، بقدر ما تهدف إلى إزالة الحاجز النفسي الذي يفصل الأجندة العربية عن الإطارين القاري (أفريقيا وآسيا) والإقليمي (كالقرن الأفريقي). وعن المشهد العالمي ايضا.
للعرب أن يتضامنوا ويدعموا بعضهم، لكن دون أن يحمل هذا التضامن رسائل سلبية للآخر غير العربي، حتى لا يُحجّم قدرتهم على التأثير والتفاعل مع محيطهم القاري والعالمي.
ينبغي أن يصبح «العمل العربي» فعلاً غير مشروط بـ«المشترك»، حتى لو تصادف أن كانت أطرافه عربية بالكامل، وذلك لتجنب حساسية إسقاط الهوية على أعمال قابلة للتوسع قاريًا أو دوليًا بعيدًا عن شرط الهوية.
ومن الأمثلة الواضحة على فشل هذا المصطلح: البطولة العربية للأندية،
التي بدأت قبل 41 عامًا وتوقفت ثلاث مرات لفترات طويلة. في المقابل، تنتظم البطولة الأفريقية للأندية سنويًا دون انقطاع وتحظى برواج ومتابعة عالية. لو خُيّرت الأندية العربية بين الفوز بالبطولة العربية أو الأفريقية لاختارت الثانية، لما لذلك من تأثير أكبر على تصنيفها الدولي.
إعادة النظر في الرابطة العربية تسمح بإعادة «تعريف» المخاطر والتهديدات، بل ونظرية الأمن القومي العربي.
النظرة الحصيفة لخارطة الشرق الأوسط الجغرافية تضع الممرات المائية البحرية والنهرية في مقدمة الأولويات الأمنية. في السنوات الأخيرة، تركزت المواجهات العسكرية في الخليج العربي (مضيق هرمز) والبحر الأحمر (باب المندب). أما قضية سد النهضة ومبادرة دول حوض النيل فلا تزالان تمثلان بؤرة القلق الأمني في القسم الأفريقي من العالم العربي.
«مَنْ» أم «ما» العدو؟
بعد تعريف المخاطر، يبرز السؤال الحتمي: ما طبيعة العدو المحتمل؟ هل إسرائيل التي خاضت حروبًا متصلة منذ 1948؟ أم إيران بوعيدها النووي؟ أم الفكر المتطرف الذي أسسه الإخوان وأنجب سلالات متحورة متعددة الأسماء حافظت على المنهج ذاته؟
الخيط المشترك بين هذه الخيارات الثلاثة هو الاستناد إلى خلفيات دينية ومذهبية وفكرية. تتعدد المداخل وتتوحد النتائج في زعزعة استقرار المنطقة ولُحمة العرب سياسيًا.
لم تعد إسرائيل تمثل عدوًا مركزيًا للعرب ككل. دول عربية كثيرة تجاوزت الحاجز التاريخي والنفسي، ودول أخرى في دائرة الحياد السياسي. أما المواجهة الحقيقية اليوم فتنحصر في بؤر صراع داخل بعض الدول، كما نشهد في جنوب لبنان مع حزب الله.
في المقابل، ظلت إيران على مدى نصف قرن تقريبًا تمثل تهديدًا استراتيجيًا متعدد الوجوه (عسكريًا ومذهبيًا) للاستقرار العربي. وقد فرض هذا التهديد على دول الخليج أن تتحول إلى «دول المواجهة»، على غرار ما كانت تُوصف به الدول العربية المحاذية لإسرائيل سابقًا.
الفكر الإخواني
رغم أن التدابير الأمنية ظلت خط المواجهة الأول مع الفكر الإسلامي المتطرف، إلا أن عوامل عديدة ساهمت في اضمحلال هذا الخطر: ارتفاع مستوى الوعي الديني، وجرد حسابات الخسائر (خاصة الدموية) التي خلفها التطرف. أدى ذلك إلى تكوين «لقاحات» شعبية مضادة له، شبيهة باللقاحات البيولوجية التي تحقن الجسم بجرعة من الفيروس ليبني مناعة داخلية.
الخلاصة:
الخطر الأساسي يكمن في غياب المراجعة الحقيقية للمسلمات العربية، وعلى رأسها الرابطة السياسية بشكلها ومعاييرها القديمة، بعد مرور ما يقرب من قرن على بداية تكوينها الفكري. ويترتب على هذا الخطر الأساسي تراكم مخاطر وتهديدات حقيقية، يمثل فيها الدور الإيراني رأس الرمح.


