تجربة السنغال في بناء مطار بنظام BOT… هل يقدم مطار بلايز ديان الإجابة لمطار الخرطوم الجديد؟

تجربة السنغال في بناء مطار بنظام BOT… هل يقدم مطار بلايز ديان الإجابة لمطار الخرطوم الجديد؟

كتب:إبراهيم عدلان

عندما تطرح الحكومات مشاريع مطارات جديدة، فإن السؤال الأول الذي يتبادر إلى أذهان العامة غالباً هو: كم ستبلغ تكلفة المشروع؟ لكن السؤال الأول الذي يطرحه المستثمرون والبنوك ومؤسسات التمويل الدولية يختلف تماماً، فهو: هل المشروع قابل للتمويل (Bankable)؟

ابراهيم عدلان: حول وصف شركة مطارات السودان المحدودة بالصفة التجارية

ولعل تجربة السنغال في إنشاء مطار بلايز ديان الدولي تعد من أفضل النماذج الإفريقية للإجابة عن هذا السؤال، لأنها لم تكن قصة نجاح منذ البداية، بل بدأت بالتعثر، وكادت أن تنتهي بالفشل، قبل أن تتحول إلى واحدة من أنجح تجارب الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إفريقيا.

البداية… حلم بمطار جديد

في مطلع الألفية الجديدة، أدركت الحكومة السنغالية أن مطار ليوبولد سيدار سنغور في العاصمة داكار لم يعد قادراً على مواكبة النمو المتزايد في حركة النقل الجوي، كما أن وقوعه داخل المدينة جعل توسعه أمراً بالغ الصعوبة.

ومن هنا اتخذ القرار بإنشاء مطار دولي جديد في منطقة دياس، على بعد نحو خمسين كيلومتراً من العاصمة، ليكون بوابة السنغال الجوية الجديدة ومحوراً إقليمياً يخدم غرب إفريقيا لعقود مقبلة.

وفي عام 2006 أنشأت الحكومة شركة AIBD SA لتتولى إدارة المشروع، بينما بدأت أعمال التشييد في عام 2007، مستندة إلى نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مع الاعتماد على تمويل من مؤسسات تنموية دولية وبنوك تنمية، إضافة إلى مساهمة الدولة.

وكان المشروع طموحاً؛ فقد صُمم ليستوعب في مرحلته الأولى ثلاثة ملايين مسافر سنوياً، مع قابلية التوسع إلى أكثر من عشرة ملايين مسافر مستقبلاً، إلى جانب إنشاء مرافق حديثة للشحن الجوي والخدمات اللوجستية.

سنوات التعثر

لكن المشروع لم يسر كما خُطط له.

فقد واجه منذ سنواته الأولى مشكلات في التمويل، وتأخر صرف القروض، وظهرت خلافات تعاقدية بين الجهات المنفذة، كما ارتفعت التكلفة وتأخر التنفيذ عاماً بعد آخر.

ومع مرور نحو تسع سنوات على بدء المشروع، لم يكن قد اكتمل سوى حوالي 70% من الأعمال، وأصبح المشروع نموذجاً لمشروعات البنية التحتية المتعثرة، بينما أخذت الأصوات تتساءل داخل السنغال: هل كان قرار إنشاء المطار خطأ؟

غير أن الحكومة السنغالية لم تتراجع عن المشروع، ولم تعلن فشله، بل قررت معالجة أصل المشكلة.

إعادة الهيكلة… نقطة التحول

في عام 2016 أعادت الحكومة هيكلة المشروع بالكامل، ووقعت اتفاقاً جديداً مع تحالف الشركتين التركيتين Limak وSumma، اللتين تمتلكان خبرة واسعة في إنشاء وتشغيل المطارات.

ولم يكن الاتفاق مجرد تغيير للمقاول، بل إعادة صياغة كاملة للمشروع. فقد تولى التحالف استكمال الأعمال الإنشائية وتشغيل المطار لمدة خمسة وعشرين عاماً، مع مشاركة الدولة السنغالية في شركة التشغيل، وبهيكل تمويلي وتعاقدي أكثر توازناً.

وكانت النتيجة لافتة؛ إذ أُنجزت الثلاثون في المائة المتبقية من المشروع خلال نحو ثمانية أشهر فقط، وافتُتح المطار رسمياً في ديسمبر 2017.

ماذا حدث بعد الافتتاح؟

منذ افتتاحه أصبح مطار بلايز ديان البوابة الجوية الرئيسية للسنغال، واستقطب شركات طيران جديدة، وتوسعت شبكة وجهاته الدولية، وارتفعت أعداد المسافرين بصورة مطردة، كما أصبح أحد أفضل مطارات غرب إفريقيا من حيث جودة التشغيل والخدمات.

لكن النجاح الحقيقي لم يكن في المباني أو المدرجات، وإنما في نموذج الأعمال.

فقد اعتمد المطار على تنويع مصادر الإيرادات، فلم تعد رسوم الهبوط والإقلاع ورسوم المسافرين هي المصدر الوحيد للدخل، بل أصبحت الأنشطة التجارية، والأسواق الحرة، وتأجير المساحات، والشحن الجوي، والخدمات اللوجستية، والاستثمارات العقارية المحيطة بالمطار، تمثل جزءاً أساسياً من العوائد، وهو ما عزز استدامته المالية.

السؤال الحقيقي… هل كان المشروع قابلاً للتمويل؟

تجربة السنغال تطرح سؤالاً أكثر أهمية من تكلفة المشروع أو مدة تنفيذه:

هل كان المشروع قابلاً للتمويل (Bankable)؟

في عالم التمويل، لا تستثمر البنوك في الخرسانة أو المدرجات، وإنما تستثمر في التدفقات النقدية المستقبلية. فهي تبحث عن مشروع قادر على سداد ديونه وتحقيق عائد مجزٍ طوال فترة الامتياز.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن مطار بلايز ديان كان مشروعاً يتمتع بمقومات اقتصادية قوية منذ البداية؛ فالسوق السنغالية كانت تنمو، والبلاد تتمتع باستقرار سياسي نسبي، وموقعها الجغرافي يؤهلها لتكون بوابة لغرب إفريقيا، كما أن المشروع حظي بدعم مؤسسات تمويل دولية مرموقة.

لكن هذه المقومات وحدها لم تكن كافية.

فالمشروع كان قابلاً للتمويل نظرياً، لكنه لم يكن قابلاً للتنفيذ عملياً بسبب ضعف هيكل التمويل، وسوء توزيع المخاطر، وتعثر الإدارة، وهو ما أدى إلى سنوات طويلة من التأخير.

وعندما أُعيدت هيكلة المشروع عام 2016، لم تتغير جدواه الاقتصادية، وإنما تغيرت طريقة تمويله وإدارته، وأُعيد توزيع المخاطر بين الدولة والمستثمرين والممولين بصورة أكثر توازناً، فعادت الثقة إلى المشروع، وأصبح قابلاً للتنفيذ والتمويل في آن واحد.

ماذا تعني هذه التجربة للسودان؟

إذا كان السودان يفكر اليوم في إنشاء مطار الخرطوم الجديد بنظام BOT، فإن أول سؤال ينبغي أن يُطرح ليس:

من سيمول المشروع؟

بل:

هل المشروع، بصيغته الحالية، قابل للتمويل وفق المعايير الدولية؟

والإجابة، في ظل الظروف الراهنة، تستوجب قدراً من الواقعية. فالسودان يمتلك مقومات استراتيجية مهمة؛ موقع جغرافي متميز، ومساحة شاسعة، وإمكانات للنقل الجوي والشحن والربط الإقليمي. لكن هذه المقومات وحدها لا تكفي لإقناع المستثمرين أو المقرضين.

فأي مؤسسة تمويل دولية ستنظر أولاً إلى استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية، والإطار القانوني المنظم للشراكات، واستقلالية الجهة المشرفة على المشروع، وشفافية إجراءات التعاقد، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، وإمكانية تحويل العائدات بالعملة الصعبة، إضافة إلى توقعات واقعية لحركة الركاب والشحن بعد انتهاء الحرب.

كما ستتساءل: هل سيكون المطار مجرد مبنى للمسافرين ومدرج للطائرات، أم سيكون مدينة مطارية متكاملة تضم مناطق لوجستية، ومستودعات للشحن، ومنطقة تجارة حرة، ومراكز صيانة، وفنادق، ومجمعات تجارية، ومشروعات عقارية تضمن تنوع الإيرادات؟

إن المطار الذي يعتمد فقط على رسوم الهبوط والإقلاع ورسوم المسافرين سيكون أكثر عرضة للمخاطر، بينما المطار الذي يقوم على نموذج اقتصادي متكامل سيكون أكثر قدرة على جذب المستثمرين والمؤسسات التمويلية.

الدرس الذي ينبغي أن يتعلمه السودان

لم تنجح السنغال لأنها وجدت مستثمراً ثرياً، وإنما لأنها أعادت تصميم المشروع ليصبح مشروعاً يثق فيه المستثمر والممول.

وهذا هو التحدي الحقيقي أمام السودان.

فإذا أرادت الدولة أن تنجح في إنشاء مطار الخرطوم الجديد، فعليها أولاً أن تجعل المشروع قابلاً للتمويل (Bankable)، وذلك من خلال إعداد دراسة جدوى مستقلة وفق المعايير الدولية، ووضع نموذج مالي واقعي، وتوزيع عادل للمخاطر، وضمانات قانونية مستقرة، وهيكل حوكمة يطمئن المستثمرين إلى أن المشروع سيدار على أسس مهنية بعيداً عن التقلبات السياسية.

فالتمويل لا يبحث عن الأفكار الجميلة، بل عن المشاريع القادرة على تحقيق عائد مستدام وإدارة مخاطرها بكفاءة.

لقد أثبتت تجربة السنغال أن المشروع قد يتعثر سنوات طويلة، لكنه يستطيع أن ينجح عندما يُعاد تصميمه بصورة صحيحة. وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي ينبغي أن يستحضره السودان وهو يستعد لإعادة بناء بنيته التحتية بعد الحرب.

فالطريق إلى مطار جديد لا يبدأ بصب الخرسانة، وإنما يبدأ ببناء مشروع يثق العالم في جدواه الاقتصادية، ويؤمن المستثمرون بأنه يستحق أن تُضخ فيه رؤوس الأموال.

Exit mobile version