العودة الطوعية من مصر.. رحلة إنسانية وأسئلة مشروعة تحت شمس القاهرة

العودة الطوعية من مصر.. رحلة إنسانية وأسئلة مشروعة تحت شمس القاهرة

محمد عثمان الرضي

◆ المشهد من الميدان:
أتيحت لي اليوم، الاثنين العاشر من أغسطس 2026، فرصة الوقوف ميدانياً على واحدة من أهم القضايا الإنسانية التي تشغل بال آلاف السودانيين في جمهورية مصر العربية؛ برنامج العودة الطوعية إلى السودان.

كشف تنقلات كبار ضباط الشرطة…. أهمية التوقيت ومعايير الإختيار

◆ العودة ليست مجرد رحلة:
فالعودة الطوعية ليست مجرد حافلات تتحرك من نقطة إلى أخرى، وإنما قضية إنسانية في المقام الأول، تتعلق بأسر وأطفال وكبار سن ينتظرون ساعات طويلة أملاً في العودة إلى الوطن.

◆ المكان يثير القلق:
ما لفت انتباهي خلال وجودي في موقع تجمع السودانيين أن المكان يفتقر إلى أبسط مقومات الانتظار الآدمي؛ فلا مرافق صحية كافية، ولا أماكن مهيأة لقضاء الحاجة، بينما يفترش كثيرون الأرض ويلتحفون السماء.

◆ القاهرة وحرارة أغسطس:
وليس خافياً أن شهر أغسطس في القاهرة يحمل درجات حرارة مرتفعة، الأمر الذي يجعل الانتظار لساعات طويلة أمراً بالغ المشقة، خصوصاً للأطفال وكبار السن والمرضى.

◆ الأطفال أولاً:
الأطفال الذين ينتظرون في مثل هذه الظروف لا ينبغي أن يكونوا الحلقة الأضعف في أي برنامج للعودة، بل يجب أن تكون سلامتهم وراحتهم في مقدمة الأولويات.

◆ والكبار كذلك:
وكبار السن يحتاجون إلى أماكن للجلوس والراحة والمياه والمرافق الصحية، وهي أمور لا تبدو من الكماليات عندما يتعلق الأمر بعملية إنسانية بهذا الحجم.

◆ جهود تستحق التقدير:
ومع ذلك، لا يمكن إنكار الجهد الكبير الذي بذلته جهات عديدة أسهمت في إنجاح برنامج العودة الطوعية، وقدمت أموالاً وإمكانات كبيرة من أجل إعادة السودانيين الراغبين في العودة إلى وطنهم.

◆ لجنة الأمل:
وفي قلب هذا المشهد تبرز «لجنة الأمل للعودة الطوعية»، بقيادة الأستاذ محمد وداعة، وهي لجنة شعبية طوعية ظلت تعمل، وفق ما هو معلن، بدعم من الخيرين ورجال الأعمال وعدد من المؤسسات.

◆ جهد مقدر:
وقد استطاعت اللجنة تسيير أعداد كبيرة من الحافلات، وعلى متنها أعداد مقدرة من السودانيين العائدين إلى البلاد، وهو جهد إنساني وتنظيمي يستحق الإشادة والتقدير.

◆ لكن التقدير لا يمنع السؤال:
الإشادة بأي جهد لا تعني إغلاق باب الأسئلة، فالعمل العام، خصوصاً عندما تتصل به أموال وتبرعات ومساهمات، يحتاج دائماً إلى الشفافية والوضوح.

◆ السؤال الأول:
ما هي المعايير التي يتم على أساسها اختيار الشركات الناقلة للسودانيين ضمن برنامج العودة الطوعية؟

◆ السؤال الثاني:
هل تم طرح عملية النقل في عطاء أو منافسة معلنة، بحيث تتاح الفرصة للشركات المؤهلة لتقديم عروضها واختيار الأفضل وفق معايير واضحة؟

◆ السؤال الثالث:
إذا لم تكن هناك منافسة معلنة، فما هي الأسس التي جرى بموجبها اختيار الشركات الناقلة؟ وهل توجد أسباب موثقة تبرر ذلك؟

◆ السؤال الرابع:
وهل الشركات التي تتولى نقل العائدين متخصصة أساساً في نقل الركاب، وتمتلك الخبرة والتراخيص والإمكانات اللازمة، أم أن بعضها يعمل في مجالات تجارية أخرى؟

◆ سلامة العائدين أولاً:
هذه الأسئلة ليست تشكيكاً في أحد، وإنما تتعلق بسلامة آلاف السودانيين الذين يركبون هذه الحافلات لمسافات طويلة، وبضرورة التأكد من أن عملية النقل تتم وفق أعلى معايير السلامة.

◆ والمال العام ليس سؤالاً عابراً:
عندما تتعدد الجهات الداعمة وتُدفع مبالغ مالية كبيرة لبرنامج العودة، يصبح من الطبيعي أن يعرف الناس حجم الموارد التي دخلت إلى البرنامج، وكيف تم إنفاقها.

◆ من أين جاءت الأموال؟
ما حجم الأموال التي جُمعت لدعم برنامج العودة الطوعية؟ وما الجهات التي قدمتها؟ وهل توجد سجلات مالية واضحة تثبت الإيرادات والمصروفات؟

◆ وأين ذهبت الأموال؟
كيف يتم اعتماد المصروفات؟ ومن يملك سلطة الصرف؟ وهل توجد مستندات وفواتير وإيصالات يمكن الرجوع إليها عند الحاجة؟

◆ المراجعة ليست اتهاماً:
وجود مراجعة مالية مستقلة لا يعني بالضرورة وجود شبهة، بل هو أحد أهم أدوات حماية العمل التطوعي نفسه، وحماية القائمين عليه من أي سوء فهم أو تأويل.

◆ ومن يحاسب اللجنة؟
وهنا يبرز سؤال آخر: إذا كانت اللجنة شعبية تطوعية وليست مؤسسة حكومية، فما هي الجهة التي تملك حق مراجعة أدائها ومساءلتها إذا حدث تقصير أو خطأ؟

◆ التطوع لا يلغي المسؤولية:
العمل الطوعي قيمة عظيمة، لكنه لا يعني غياب المسؤولية، خصوصاً عندما تكون المهمة مرتبطة بمصالح أعداد كبيرة من المواطنين وبموارد مالية معتبرة.

◆ العودة تتزايد:
والسؤال الأكثر إلحاحاً أن أعداد الراغبين في العودة الطوعية إلى السودان تبدو كبيرة وفي تزايد مستمر، فهل تستطيع اللجنة الاستمرار حتى نهاية البرنامج بذات الكفاءة والقدرة التنظيمية؟

◆ الاستدامة مهمة:
النجاح في تسيير دفعات كبيرة من العائدين أمر مقدر، لكن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على الاستمرار، ووضع آليات واضحة تضمن وصول الخدمة إلى كل مستحق دون استثناء.

◆ هل هناك حوافز؟
ومن الأسئلة التي تستحق إجابة واضحة أيضاً: هل يتلقى أعضاء اللجنة أو العاملون فيها أي حوافز مالية نظير الجهد الذي يبذلونه؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فما طبيعة هذه الحوافز وكيف يتم تحديدها وصرفها؟

◆ والإعلام جزء من الصورة:
ثم يأتي بند الإعلام، وهو بند مهم في أي برنامج بهذا الحجم، لأن الإعلام هو الذي ينقل للناس الحقائق ويعرّف الرأي العام بمراحل البرنامج ونتائجه.

◆ لكن كيف تتم إدارته؟
كيف يتم الصرف على الإعلام؟ وهل توجد ميزانية محددة ومعايير معلنة؟ وهل فرص التغطية متاحة لجميع الإعلاميين وفق معايير مهنية، أم أن هناك آلية محددة لاختيار جهات بعينها؟

◆ أسئلة لا تبحث عن خصومة:
كل هذه التساؤلات لا تستهدف لجنة الأمل، ولا تنتقص من جهد الأستاذ محمد وداعة أو من جهود أي جهة ساهمت في إعادة السودانيين إلى وطنهم، وإنما تبحث عن إجابات تحفظ لهذا العمل قيمته ومصداقيته.

◆ الشفافية تحمي الجميع:
فالوضوح في الإجراءات، والإفصاح عن الموارد والمصروفات، وتحديد معايير اختيار الناقلين، وتنظيم العمل الإعلامي، كلها أمور من شأنها أن تحمي اللجنة والداعمين والعائدين على حد سواء.

◆ العودة مسؤولية وطنية:
إن إعادة السودانيين إلى بلادهم في هذه الظروف ليست مهمة عادية، وإنما مسؤولية إنسانية ووطنية كبيرة، ولذلك فإن المطلوب أن تسير العملية بأعلى درجات التنظيم والانضباط والشفافية.

◆ والرسالة الأخيرة:
نحن لا نبحث عن خطأ لنضع عليه إصبع الاتهام، ولا عن شخص نحمله مسؤولية ما لم يثبت عليه، وإنما نبحث عن إجابة لسؤال بسيط ومشروع: كيف نضمن أن تظل العودة الطوعية إلى السودان مشروعاً إنسانياً ناصعاً، تصل فيه كل المساهمات إلى مستحقيها، وتُدار فيه كل الإجراءات بمعايير واضحة، ويعود فيه السوداني إلى وطنه مكرماً وآمناً؟

◆ فالعمل العام لا يحميه الصمت، وإنما تحميه الشفافية؛ والجهد الطوعي لا تضعفه الأسئلة، بل تزيده قوة حين يجد لكل سؤال إجابة.




رأي سودافاكس

فضاء مفتوح لأقلام سودانية متنوعة في شبكة سودافاكس الإخبارية. تعكس لمقالات المنشورة هنا آراء أصحابها ولا تُعبّر بالضرورة عن موقف هيئة التحرير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.