ظافر طارق يكتب:المطار الذي تركناه… ولم يتركنا

المطار الذي تركناه… ولم يتركنا

ظافر طارق

الحرب ما فرّقت بين الناس وبس… الحرب فرّقت بين الإنسان والمكان الذي أحبّه، وبين الإنسان والحياة التي كان يحلم بها.

ونحن، مطار الخرطوم، فقدنا شيئاً أكبر من مجرد وظيفة.

فالمطار بالنسبة لينا ما كان مكان بنمشي ليه الصباح عشان نستلم مرتب ونرجع آخر اليوم. المطار كان جزء من حياتنا، كان الشغف البدا معانا من زمن بعيد، من أيام كنا بنشوف الطائرات في السماء ونحلم بيوم نكون جزء من العالم ده.

في جدلية مطار الخرطوم الجديد:لماذا ينبغي أن ننظر إلى المطار الجديد بوصفه مشروعاً لبناء الدولة وليس مجرد مشروع إنشاءات؟

كنا بنمشي المطار ونحن عارفين إنو في تعب، وفي ضغط، وفي ساعات عمل طويلة، وفي مسؤولية كبيرة… لكن كل ذلك كان يهون أمام اللحظة البنشوف فيها الطائرة واقفة على الـ Ramp، وأصوات المحركات، وحركة العربات والمعدات، والناس البتشتغل في تناغم عشان رحلة واحدة تقلع في موعدها.

كانت تفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة لينا كانت حياة كاملة.

ثم جاءت الحرب.

تغيّرت المدن، توقفت المطارات، وتفرّق الناس. ناس سافروا، وناس اضطروا يغيّروا مجالاتهم، وناس تركوا البلد بحثاً عن الأمان وفرصة جديدة للحياة.

لكن أصعب شيء كان إنك تترك المكان البتحبو، وتبعد من ناس ما كانوا مجرد زملاء عمل.

ناس المطار كانوا أسرة.

الشخص البتقابلو كل يوم في الـ Ramp، والبتقاسمو معاه ضغط الرحلات، والبتقف معاه في الحر والمطر، والبتساعدو ويساعدك في أصعب المواقف… مع الزمن ما بقى مجرد زميل.

بقى أخ.

وبقت الزمالة عشرة، والعشرة محبة، والمحبة وصلت لدرجة إنو بعض الناس أصبحوا في مقام الأهل.

اليوم، مهما بعدتنا المسافات، ومهما اختلفت البلدان والشركات والمطارات، لسه في جزء مننا متعلق بالمطار الأول.

نشتاق لصوت النداء، لصوت المحركات، لحركة الطائرات، للـ Ramp، للمواقف اليومية، وحتى للضغط والتعب الذي كنا نشتكي منه وقتها.

نشتاق لزملائنا الذين فرقتنا عنهم البلاد.

نشتاق للأيام التي ربما لم نكن ندرك وقتها أنها ستكون يوماً من أجمل ذكريات حياتنا.

ورغم كل ذلك، ما زلت أؤمن أن الشغف الحقيقي لا تمحوه الحرب، ولا المسافات، ولا تغيير الوظائف.

قد نبتعد عن الطيران، لكن الطيران لا يبتعد عنا.

رسالة لكل طالب يحلم بدخول مجال الطيران

ولكل شاب أو فتاة اليوم ينظرون إلى مجال الطيران ويحلمون بأن يكونوا جزءاً منه، أقول لهم:

لا تدخلوا هذا المجال من أجل الراتب فقط.

ادخلوه لأنكم تحبونه.

لأن الطيران مجال يحتاج إلى شغف حقيقي، ويحتاج إلى إنسان يعرف قيمة المسؤولية والانضباط والدقة.

ادرسوا جيداً.

لا تستهينوا بأي معلومة، مهما كانت بسيطة. اقرأوا، تعلموا، اسألوا أصحاب الخبرة، وطوّروا أنفسكم باستمرار.

الانضباط في الطيران ليس خياراً، بل أسلوب حياة.

احترموا الوقت، احترموا الإجراءات، احترموا زملاءكم، وتعلموا كيف تعملون تحت الضغط.

ولا تجعلوا صعوبة البداية تحبطكم.

ربما تبدأون من وظيفة بسيطة، وربما تمر عليكم أيام تشعرون فيها أن الطريق طويل… لكن كل خطوة في هذا المجال تصنع منكم شخصاً أكثر خبرة ونضجاً.

والأهم من كل ذلك:

لا تفقدوا الشغف.

قد تتأخر الفرصة، قد تتغير الظروف، وقد تضطرون للعمل في مجال آخر لفترة من الزمن، لكن لا تسمحوا للظروف أن تقتل الحلم الذي بدأ معكم منذ الصغر.

أنا وغيري من أبناء هذا المجال تعلمنا أن الطيران ليس مجرد مهنة.

إنه شغف.

هو أصوات المحركات التي تظل في ذاكرتك، ورائحة الـ Ramp، ومشهد الطائرة وهي تتحرك استعداداً للإقلاع، وابتسامة زميلك بعد أن تنتهي رحلة صعبة بنجاح.

ولهذا، مهما فرقتنا الحرب، ومهما أخذتنا الحياة إلى مطارات وبلدان مختلفة…

سيظل في داخلنا مطار نشتاق إليه.

وسيظل هناك دائماً زملاء لم يكونوا مجرد زملاء…

بل كانوا وما زالوا أهلاً وأحباباً.

ولكل من يحلم أن يكون واحداً منا يوماً:

ادرس، انضبط، ركّز، طوّر نفسك، واحلم كبيراً… والأهم، لا تفقد شغفك.

فربما الطريق يطول، وربما الحياة تأخذك بعيداً عن المطار لفترة…

لكن إذا كان الشغف حقيقياً،
فسيظل حلم الطيران يعرف طريقه إليك.




تحرير سودافاكس

فريق التحرير في شبكة سودافاكس الإخبارية، المنصة الإعلامية الرقمية السودانية المستقلة التي تأسست عام 2012.يضطلع فريق التحرير بمتابعة الأحداث الجارية وتوثيقها لحظةً بلحظة، ويشمل ذلك الأخبار العاجلة والتقارير الإخبارية والبيانات الرسمية والمستجدات الميدانية في السودان والمنطقة العربية. يعمل الفريق وفق معايير الصحافة المهنية القائمة على الدقة في النقل والتحقق من المصادر، تحت إشراف رئيس التحرير حسن بشير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.