أبشر حسين يكتب: قول للزمن: ارجع !

قول للزمن: ارجع !

أبشر حسين

آه يا زمان… انفلت عقدك وجريت بسرعة، حتى هرمنا، وأصبحت الذكريات الحلوة والجميلة هي الوقود الذي يعيننا على مواجهة صعاب الحاضر. كلما ضاقت بنا الأيام، عدنا إليها، نستمد منها بعض الدفء، ونبحث في تفاصيلها عن شيء من أنفسنا التي تركناها هناك.

أبشر حسين يكتب: جمال حسن عبد الله… رجلٌ كان يرى ما وراء الأحداث

لي كثير من الصفات التي لا أفتخر بها، ولكن أظن أن أسوأها انقطاع التواصل مع الآخرين. وربما يعود ذلك إلى المشغوليات الكثيرة، أو إلى ذلك التغير «الحرباوي» الذي يعتري الإنسان مع تقلبات الحياة؛ فننشغل، ونتباعد، وتمضي الأيام، ونكتشف بعد زمن أن أشخاصًا أعزاء كانوا قريبين من القلب، لكن غشاوة من النسيان وقلة التواصل حجبتهم عن تفاصيل حياتنا.

ومن العلاقات التي أصابها شيء من غشاوة التواصل، علاقتي بأخي عبد الرحمن مبارك؛ ذلك الرجل الفريد في تهذيبه وخلقه وثقافته الممتدة. كان عبد الرحمن يستطيع أن يجذب انتباه الآخرين في أي مجتمع يكون فيه؛ سلس الحديث، واسع الثقافة، حاضر البديهة، وله قدرة جميلة على إدارة الحوار وإثرائه دون تكلف.

وكنا، من حين إلى آخر، نذهب معًا لزيارة ألاستاذ الشاعر محمد جعفر عثمان، في داره العامرة بالعباسية.

والجلوس مع محمد جعفر كان متعة لا تُمل. كان الرجل موسوعة في الثقافة والحياة، صاحب ذاكرة واسعة وقدرة عجيبة على السرد والحكي. يستطيع أن يأخذك من موضوع إلى آخر، ومن حكاية إلى أخرى، دون أن تشعر بمرور الوقت. وكنا نستمتع بحكاياته، لا لأنها مجرد حكايات، وإنما لأنه كان يعرف كيف يمنحها الحياة من جديد.

كان محمد جعفر عثمان واحدًا من الشعراء الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة مهمة من تطور الأغنية السودانية الحديثة، وكانت له تجربة ثرية مع الفنان الكبير زيدان إبراهيم، ومع الملحن المبدع عمر الشاعر.

ومن أجمل ما كان يشدنا في تلك الجلسات أن عبد الرحمن مبارك كان يمتلك قدرة خاصة على استفزاز محمد جعفر أدبيًا وفنيًا. كان يسأله عن أغنية، وعن مناسبة قصيدة، وعن قصة لحن، وعن كيفية وصول النص إلى زيدان إبراهيم. وما إن يبدأ محمد جعفر في الإجابة حتى يفتح بابًا من أبواب الذاكرة، فتخرج الدرر.

كان الحديث يأخذنا إلى أغنيات مثل «وسط الزهور متصور» و«أخونك» و«أسير حسنك يا غالي» و«حنين يا ليل»، وغيرها من الأعمال التي جمعت بين كلمات محمد جعفر، وألحان عمر الشاعر، وصوت زيدان إبراهيم.

وكان زيدان، بصوته المميز وحضوره الفني، يمنح تلك الكلمات حياة أخرى. أما عمر الشاعر فكان يضع لها أجنحة اللحن، فيكتمل المثلث: كلمة محمد جعفر، ولحن عمر الشاعر، وصوت زيدان إبراهيم.

لكن أجمل ما في الأمر لم يكن مجرد معرفة أسماء الأغنيات أو شعرائها وملحنيها؛ بل كان الاستماع إلى قصة الأغنية نفسها: كيف جاءت الفكرة؟ متى كتب النص؟ لمن كان موجهًا؟ كيف وصل إلى الملحن؟ وماذا حدث عندما غناها زيدان لأول مرة؟

وكانت الجلسة تصبح أكثر ثراءً عندما يحضر أستاذنا الشاعر التجاني حاج موسى. عندها تتسع دائرة الحكايات، ويدخل الشعر والغناء والملحنون والفنانون في حديث طويل، تتداخل فيه الذاكرة بالتاريخ، وتصبح الأغنيات التي كنا نسمعها في أجهزة الراديو قصصًا حية أمامنا.

كنت أشعر وقتها أننا لا نجلس أمام شاعر فقط، وإنما أمام جزء من تاريخ الأغنية السودانية.

ومحمد جعفر، بهدوئه وتهذيبه وثقافته، لم يكن من أولئك الذين يفرضون ثقافتهم عليك؛ بل كان يجعلك تكتشفها بنفسك. يجلس معك ببساطة، ثم يأخذك حديثه بهدوء إلى أماكن لم تكن تتوقع الوصول إليها.

أما عبد الرحمن، فكان يعرف كيف يفتح هذه الأبواب.

ربما لهذا السبب كانت زياراتنا للعباسية مختلفة. لم تكن مجرد زيارة لأستاذ أو صديق، وإنما كانت رحلة قصيرة إلى عالم من الشعر والفن والذكريات.

واليوم، عندما أتذكر تلك الجلسات، أشعر بمرارة المسافة التي صنعتها الأيام. أين عبد الرحمن؟ وأين تلك الزيارات؟ وأين تلك الجلسات التي كان فيها محمد جعفر يحكي، والتجاني حاج موسى يضيف، وعبد الرحمن يسأل ويستفز الذاكرة، ونحن نجلس مستمتعين بكل ذلك؟

لقد جرى الزمن أسرع مما كنا نتصور.

كنا نظن أن الأيام أمامنا طويلة، وأن الزيارات ستتكرر، وأن الأصدقاء باقون، وأن الجلسات يمكن تأجيلها إلى الأسبوع القادم أو الشهر القادم.

لكن الزمن لا ينتظر أحدًا.

ولهذا أصبحت الذكريات الآن هي وقودنا لمواجهة الحاضر. نعود إليها كلما أتعبتنا الحياة، فنجد فيها وجوهًا نحبها، وأصواتًا افتقدناها، وضحكات لا تزال عالقة في الذاكرة، وأيامًا لم نكن نعرف ونحن نعيشها أنها ستكون يومًا من أجمل ما نملك.




بروفيسور أبشر حسين

بروفيسور أبشر حسين طبيب سوداني وباحث وبروفيسور بجامعة الخرطوم وكاتب ومؤسس مجموعة داؤود البحثية الغير ربحية ويكتب مقالات بصورة دورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.