أبشر حسين يكتب: خليل فرح… حين تصبح الكلمة طريقًا إلى الوطن


خليل فرح… حين تصبح الكلمة طريقًا إلى الوطن
أبشر حسين
كان ذلك في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وكنت في تلك الفترة أقرأ كتاب للأديب والدبلوماسي الراحل الهادي الصديق «نقوش على قبر الخليل». كان كتابًا يأخذني إلى عالم خليل فرح، وإلى أم درمان التي أحبها الخليل وغنّى لها، حتى أصبحت في أشعاره أكثر من مدينة؛ أصبحت وطنًا صغيرًا تختصر فيه أحلام السودان وآماله وذكرياته.
أبشر حسين يكتب: عمر الدوش: الإنسان الذي علّمنا الإصغاء للحياة
في ذلك الزمن كانت «عزة في هواك» تعني لنا الكثير. لم تكن بالنسبة لنا مجرد أغنية من ألاغاني انما كانت تحمل في داخلها ذلك الزخم الثوري الجميل: المرأة، والوطن، والكرامة، والحلم بالتحرر. كنا نسمعها فنشعر أن الكلمات تتجاوز زمنها، وأن الخليل لم يكن يغني لامرأة بعينها فقط، وإنما كان يضع المرأة والوطن في فضاء رمزي واحد، حيث يصبح الحب طريقًا إلى الحرية، ويصبح الجمال جزءًا من مقاومة القبح والاستعمار والتخلف.
ولكن أكثر ما استوقفني وأنا أقرأ عن الخليل كان ذلك المشهد البديع:
«قدلة يا مولاي حافي حالق
بالطريق الشاقيه الترام»
كانت العبارة تأخذني بعيدًا. كنت أتخيل في ذهني أن الخليل كتبها وهو في أم درمان، وربما وهو خارج من ديوان (فوز)، ثم يمضي حافيًا حليق الرأس في شوارع المدينة، والطريق يشقه الترام.
كنت أرى المشهد كما لو أنني أراه بعينيّ: شارع أم درمان، الترام يمر، والناس على جانبيه، والعجائز يتبادلون نكات الترام وحكاياته، والمدينة كلها تتحرك في ذلك الإيقاع القديم.
ولم أكن قد ركبت ترام أم درمان بالطبع، فقد كان قد غاب عن شوارعها قبل أن نصل إلى ذلك العمر، لكن حكايات الكبار عنه كانت تكفي لكي نصنع له في خيالنا ترامًا خاصًا بنا؛ ترامًا لا يتحرك فوق القضبان فقط، وإنما يتحرك داخل الذاكرة.
ثم، كلما كبرنا، اتسعت دلالة العبارة في أذهاننا.
بدأت أتأمل «حافي حالق» بصورة أخرى، وأرى فيها صورة قريبة من هيئة المحرم في الحج: الحفاء، والحلق، والتجرد من مظاهر الدنيا. وكأن الخليل أراد أن يجعل تجواله في أم درمان أشبه بطواف عاشق حول وطنه.
ومن هنا جاء إلى ذهني تشبيه آخر أكثر جرأة: الطواف حول الكعبة في بداياته، حين كان المسلمون يهرولون في الأشواط الثلاثة الأولى ليظهروا قوتهم أمام المشركين الذين أشاعوا أن الحمى أضعفتهم.
وأنا أعلم أن الحلق في الحج والعمرة يأتي بعد إتمام المناسك، وبعد السعي بين الصفا والمروة، ولذلك لم يكن مقصدي أن أقول إن الخليل يستنسخ ترتيب شعيرة الحج حرفيًا؛ إنما كنت أرى في الصورة رمزًا شعريًا: التجرد، والطواف، والحركة، والقوة، والانتماء.
وكأن الخليل يقول: سأطوف بأم درمان كما يطوف المحب حول معبوده، حافيًا، متجردًا، لا يحمل إلا حبه.
وهنا تصبح العبارة أكثر من مجرد وصف لرجل يمشي في شارع تشقه عربة الترام.
إنها تتحول إلى طقس عشق لأم درمان.
وما يزيد الصورة جمالًا أن الخليل لا يترك أم درمان مدينة مبهمة بلا حدود، وإنما يرسمها بالكلمات، ويأخذنا من مكان إلى مكان:
من علايل أب روف للمزالق،
ومن فتيح للخور للمغالق.
إنه يرسم جغرافية أم درمان بالكلمة، ويضع أمامنا حدود المدينة وملامحها وأزقتها وطرقاتها. ويبدو لي أن هذه واحدة من أعظم خصائص خليل فرح: أنه لم يكن يغني عن أم درمان من بعيد؛ كان يمشي داخلها، ويعرف تفاصيلها، ويحول جغرافيتها إلى شعر.
وهكذا أصبحت أم درمان عند الخليل ليست مجرد مكان، وإنما شخصية حية.
وهذه الرمزية هي التي جعلت الخليل واجهة من واجهات إظهار مفاتن أم درمان؛ جمالها، وأحيائها، وناسها، وطرقاتها، وأحلامها، وفي الوقت نفسه جعل منها مسرحًا لفكرة أكبر: الوطن.
ولم يكن الخليل وحده في هذا الطريق.
فقد كانت أم درمان في تلك الفترة تعيش حركة ثقافية واجتماعية وفكرية واسعة. كان هناك الشيوخ، ولاعبو الكرة، والسياسيون، والمصلحون الاجتماعيون، والكتاب، والشعراء، والمغنون، والمفكرون. كل واحد منهم كان يؤدي دوره بطريقته، ولكن الجميع كانوا، بصورة أو بأخرى، يشاركون في بناء مجتمع أكثر وعيًا.
وكانت هناك مدرسة الهاشماب، وأبو روف، والفجر، والموردة، والمنتديات والبيوت التي كانت تتحول إلى مدارس غير رسمية للوعي( ديوان فوز). لم تكن الثقافة محصورة في الكتب والصحف؛ كانت تنتقل من الديوان إلى الشارع، ومن النادي إلى الحي، ومن الملعب إلى المنتدى، ومن الأغنية إلى وجدان الناس.
وهنا أتوقف عند الخليل مرة أخرى.
فالخليل لم يكن فقط شاعرًا سبق عصره، كما يحلو لنا أن نقول أحيانًا. والأدق في رأيي أنه كان واحدًا من الذين وضعوا أساسًا مبكرًا لاستخدام الكلمة باعتبارها أداة للتغيير.
الكلمة عنده لم تكن للغناء وحده.
كانت تستطيع أن تحارب الاستعمار، وأن ترفع شأن المرأة، وأن تنتقد بعض العادات الاجتماعية، وأن تبث روح الكرامة، وأن تجعل الناس ينظرون إلى وطنهم بطريقة مختلفة.
وهذه وظيفة عظيمة للفن.
فالفنان الحقيقي لا يقدم للمجتمع أغنية جميلة فحسب؛ قد يمنحه طريقة جديدة للنظر إلى نفسه.
ولذلك فإن تأثير الخليل لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأغنيات التي تركها، وإنما بعدد الأفكار والمشاعر التي زرعها في أجيال جاءت بعده.
لقد استطاع أن يجعل من أم درمان قصيدة، ومن القصيدة وطنًا، ومن الوطن قضية.
وإذا كان الخليل قد جعل «عزة» رمزًا للوطن، فإنه جعل أم درمان نفسها رمزًا للحياة السودانية بكل تناقضاتها: الفقر والغنى، المحافظة والانفتاح، التصوف والغناء، السياسة والفن، الرياضة والثقافة، القديم والجديد.
وكانت المدينة في ذلك الزمن أشبه بورشة كبيرة لصناعة الوعي.
ولعل أجمل ما في الأمر أن ذلك الوعي لم يكن يأتي من جهة واحدة. كان الشيوخ يسهمون فيه، والرياضيون يسهمون، والمثقفون يسهمون، والسياسيون يسهمون، وأصحاب الإصلاح الاجتماعي يسهمون، والمغنون يسهمون. كل واحد كان يضع لبنة في البناء الكبير.
لكن الخليل ظل واحدًا من أهم المنارات.
فالزمن تغيّر، والترام اختفى، والشوارع تبدلت، وأحياء أم درمان تمددت، وأسماء كثيرة تغيرت، لكن كلمات الخليل ظلت قادرة على إعادة المدينة إلينا كما كانت في الذاكرة.
وهذا هو سر الفن العظيم.
أن يختفي الشيء من الواقع، لكنه يبقى في الأغنية.
قد لا نجد الترام اليوم في الطريق الشاقي أم درمان، ولكننا عندما نسمع:
«قدلة يا مولاي حافي حالق…»
يعود الترام.
وتعود أم درمان.
وتعود الطرقات.
وتعود الموردة وأبو روف وفتيح.
ويعود الخليل يمشي في المدينة التي أحبها.
وربما لهذا السبب ظل الخليل حيًا في وجداننا بعد كل هذه العقود؛ لأنه لم يترك لنا أغاني فقط، وإنما ترك لنا طريقة في حب الوطن.
ومن يقرأ تاريخ أم درمان الثقافي في تلك الفترة لا ينبغي أن يبحث عن بطل واحد. كانت هناك كوكبة كاملة من المستنيرين، كل منهم أضاء جانبًا من الطريق.
لكن الخليل كان من أولئك الذين عرفوا مبكرًا أن الكلمة تستطيع أن تفعل ما لا تستطيع القوة أن تفعله.
فالكلمة قد توقظ النائم، وتحرج الظالم، وتمنح المرأة مكانتها، وتفتح نافذة في جدار العادة، وتزرع في الإنسان إحساسًا بكرامته، ثم تبقى بعد أن يذهب أصحابها.
ولهذا لم يكن خليل فرح مجرد شاعر غنائي.
كان، في تقديري، واحدًا من مهندسي الوعي السوداني الحديث.
وحين أمشي اليوم في خيالي من فتيح إلى الخور، ومن علايل أب روف إلى المزالق، لا أبحث عن الترام وحده.
أبحث عن ذلك السودان الذي كان الخليل يحلم به.
سودانًا يكون فيه الوطن محبوبًا، والإنسان كريمًا، والمرأة محترمة، والكلمة حرة، والفن قادرًا على أن يفتح الطريق أمام المجتمع.
وهكذا أفهم اليوم، بعد أن كبرنا، لماذا كانت عبارة صغيرة مثل:
«حافي حالق»
قادرة على أن تحمل كل هذا العالم.
إنها لم تكن مجرد صورة لرجل يمشي في شارع.
كانت صورة إنسان يتجرد من كل شيء ليعود إلى وطنه.
وكانت أم درمان، في شعر الخليل، هي الوطن الذي يستحق أن يُطاف حوله.

