أبشر حسين يكتب: يوم في المقرن.. حين كانت الخرطوم كلها هناك


يوم في المقرن.. حين كانت الخرطوم كلها هناك
أبشر حسين
كان ذلك اليوم يوم جمعة، في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي. ولا زلت أذكره بكل تفاصيله، وكأن أحداثه وقعت بالأمس.
تحركنا من حي الصابرين، شِلّة من الشباب، متجهين كُداري إلى المقرن. كانت الساعة حوالي الثانية والنصف ظهرًا، وكان الجو ملبدًا بالغيوم، وبدأ المطر يتساقط في شكل رذاذ خفيف، زاد المكان سحرًا ولم يمنعنا من مواصلة مشوارنا.
أبشر حسين يكتب: قطار عطبرة المشترك … حكاية عائلة وذاكرة مدينة
وصلنا إلى كبري النيل الأبيض، ومشينا فوقه حتى كدنا نصل إلى نهايته، ثم بدأنا في النزول من تحت الكبري عن طريق «علبة الكبرى الاخيرة ». نزل الجميع بسهولة، بينما لا زلت أذكر أنني وجدت شيئًا من الصعوبة في النزول، فقد كان أقراني أكثر خبرة مني بهذه المغامرة، لكثرة ما اعتادوا النزول من ذلك الطريق في مناسبات مختلفة.
بعد أن وصلنا إلى أسفل الكبري، اتجهنا نحو حائط حديقة المقرن المواجه لمدينة أم درمان. بدأنا في تسلق الجدار والدخول مجانا إلى الحديقة. ولم يكن هناك حرس يمنعنا من الدخول؛ وربما لم يكن أحد يتوقع أن يأتي الناس إلى الحديقة من هذه الجهة، فالنيل نفسه كان يمثل حاجزًا طبيعيًا يجعل الوصول إليها من ناحية أم درمان أمرًا غير متوقع.
دخلنا حديقة المقرن، فإذا بالمكان يعج بالناس من مختلف الأعمار. كانت هناك «سوق خيري» وخيام تبيع مختلف الأشياء، والناس في حركة دائمة، وكأن الخرطوم كلها قد اجتمعت في ذلك المكان.
لكن أجمل ما في الأمر كان تلك الفرق الموسيقية التي كانت تنتشر في أرجاء الحديقة. كانت هناك فرقة شرحبيل أحمد، وفرقة الجيلاني الواثق، وفرقة العقارب، وفرقة الديوم، وفرقة وليم أندريا، وفرقة أحمد داوود، وغيرها من الفرق التي كانت تمثل جزءًا أصيلًا من المشهد الموسيقي السوداني في ذلك الزمن.
كان الجو ساحرًا بكل معنى الكلمة؛ غيوم السماء، ورذاذ المطر، وروائح الأرض، وضجيج الناس، وأصوات الموسيقى القادمة من أكثر من ناحية. وبين كل ذلك كانت الأغاني تتداخل في مشهد يصعب أن يتكرر.
ولا زلت أذكر صوت وليم أندريا وهو يشدو:
«بدور أرتاح وأعوض بيك زماني الراح»
ثم يأتي صوت الحاج في شبابه:
«يا اللابس البنبي» وكان الشباب متاثرين بطريقة رقص جيمس براون وكذلك الفيس برسلى.
وتتعالى من ناحية أخرى أغنيات فرقة الديوم، ومنها «حاجة كولن كولن».
وفي ركن آخر من الحديقة تجد مجموعة من الشباب منشغلين بلعب «الملوص»، بينما تتداخل الأحاديث والهتافات والضحكات.
كانت تلك أيامًا مختلفة؛ أيام الشقاوة البريئة والمغامرات الصغيرة، حين كان عبور النيل وتسلق سور حديقة المقرن يبدو لنا مغامرة تستحق أن نتحدى من أجلها المطر والمسافة وكل شيء.
كلما عادت تلك الصورة إلى ذاكرتي، ابتسم. ليس فقط لما فعلناه من شقاوة، وإنما لما كان يحيط بتلك الأيام من حياة كاملة: شباب، وصداقة، وموسيقى، ومطر، ونيل، ورياضة، ومشاوير بلا تخطيط، ودراما وأحداث لا تنتهي.
لقد كانت أم درمان والخرطوم يومها تعيشان حياة لها مذاق خاص؛ وكانت المقرن، في مثل ذلك اليوم، تبدو كأنها نقطة التقاء لكل السودان: ناسه، ولهجاته، وأغنياته، وضحكاته، وشقاوة شبابه.
وما أجمل الذكريات حين لا تعود إلينا على هيئة صور جامدة، وإنما تعود معها أصوات الأغاني، ورائحة المطر، وضحكات الأصدقاء، وملمس الجدران التي تسلقناها، ونبض تلك الأيام التي مضت ولن تعود.

