أبشر حسين يكتب: نادر محمد نور… موسوعة من زمن جميل


نادر محمد نور… موسوعة من زمن جميل
أبشر حسين
كثيرًا ما أناكف أبنائي، وأقول لهم: أنتم جيل ذو اتجاه واحد؛ ثقافتكم محدودة، ومعرفتكم، وإن كانت واسعة في تخصصاتكم، ليست عميقة في كثير من نواحي الحياة. تهتمون كثيرًا بالقشور، وتعرفون شيئًا عن أشياء كثيرة، لكنكم لا تملكون الإلمام الواسع الذي كان يميز كثيرًا من أبناء جيلنا.
أبشر حسين يكتب: سميري الفي ضميري… حين تعيدنا الأغنية إلى الأحباب
وقد يكون في كلامي شيء من مبالغة الآباء الذين ينظرون إلى جيلهم القديم بعين الحنين، ولا أدري حتى الآن: هل اتساع المعرفة والإلمام بمختلف مناحي الحياة صفة محمودة، أم أن التخصص العميق والانكباب على مجال واحد هو الطريق الأفضل؟
لكنني كنت دائمًا أضرب لهم مثلًا بأخي نادر محمد نور – حفظه الله ورعاه.
نادر أصغر مني بشهرين فقط، لكنني كثيرًا ما أشعر أنه أكبر مني في أشياء كثيرة ، ولذلك ظل بالنسبة لي نموذجًا حيًا لذلك الإنسان الذي لا يحبس نفسه داخل تخصصه، وإنما يفتح نوافذه على الحياة كلها.
وما أجمل أن تكون ذكريات الإنسان مرتبطة بشخص مثل نادر!
لقد تربينا معًا في حي الصابرين، ذلك الحي الذي لم يكن بالنسبة لنا مجرد بيوت وشوارع، وإنما كان عالمًا كاملًا؛ فيه طفولتنا، وفيه ملاعبنا، وفيه أصدقاؤنا، وفيه أحلامنا الصغيرة التي لم نكن نعرف إلى أين ستقودنا.
نشأنا وترعرعنا معًا، ومعنا مجموعة من الإخوة والأصدقاء الذين كانوا جزءًا من تلك الحياة الجميلة. كانت البيوت مفتوحة، والقلوب أكثر انفتاحًا، وكانت الشوارع ملعبًا لنا، ومجالس الأهل مدرسة نتعلم فيها من الحياة قبل أن نتعلم من الكتب.
ومن أجمل ما يجمعني بنادر ذكريات كرة القدم.
بدأناها كما بدأها كثير من أبناء جيلنا، بكرة الشراب، تلك الكرة التي كانت تُصنع من الجوارب والقطع القديمة، لكنها كانت بالنسبة لنا أغلى من كل الكرات التي نراها اليوم. كنا نركض خلفها حفاة أو بأحذية بسيطة، ونختلف ونتصالح، ونفرح بالفوز ونحزن للهزيمة، ثم نعود في اليوم التالي لنبدأ مباراة جديدة وكأن شيئًا لم يحدث.
كبرنا، وكبرت معنا كرة القدم. انتهى المطاف بنادر لاعبًا في نادي قلب الأسد، بينما ذهبت أنا إلى نادي أبو عنجة. اختلفت الطرق قليلًا، لكن الصداقة والذكريات ظلت واحدة.
ثم جاء وقت الدراسة. التحقت أنا بجامعة الخرطوم، بينما التحق نادر بجامعة القاهرة – فرع الخرطوم، ، وأصبح الان من كبار علماء الإحصاء.
لكن المدهش في نادر أن تخصصه لم يكن سجنًا له، بل كان بابًا فتح منه أبوابًا أخرى.
كان عالمًا في الإحصاء، لكنه كان يعرف الفنون؛ المسرح والشعر والغناء، ويتذوقها ويتحدث عنها كمن عاش بينها. وكان يعرف الرياضة، كرة القدم وكرة السلة وغيرها، ويتعامل معها بفهم يتجاوز مجرد المشاهدة. وكان له اهتمام واسع بالسياسة، يستطيع أن يناقش الأحداث السياسية ويفككها ويحللها ويربط بينها. وله كذلك معرفة واسعة بالعلوم الدينية والفقهية.
وأحيانًا، وأنا أستمع إليه وهو ينتقل من الإحصاء إلى الفن، ومن الفن إلى الرياضة، ومن الرياضة إلى السياسة، ومن السياسة إلى الفقه، أشعر أنه يشبه علماء العصور الوسطى؛ أولئك العلماء الذين لم تكن المعرفة عندهم جزرًا منفصلة، وإنما كانت علومًا متداخلة، يكمل بعضها بعضًا.
ولعل أجمل ما في علاقتنا أننا لا نتفق دائمًا.
بل إن بيننا من المناكفات الشيء الكثير، وخاصة في الأمور الفقهية!
وقد يظن من يسمعنا أننا نختلف اختلافًا حقيقيًا، لكنني في الحقيقة أستمتع كثيرًا بهذه المناقشات. فهي بالنسبة لي ليست مجرد مناظرة أو محاولة لإثبات من هو الأعلم؛ إنها امتداد لطفولتنا، وشيء من تلك الروح القديمة التي جمعتنا في الصابرين.
كبرنا، وتغيرت الحياة، وتباعدت بنا الأماكن، لكننا ما زلنا نعود في حواراتنا إلى ذلك الزمن الجميل.
ومن خلال علاقتي بنادر، ظل سؤال يراودني دائمًا، وكنت أطرحه على أبنائي، وهم من الطلاب:
هل الأفضل للإنسان أن يحصر نفسه في تخصصه، فيتعمق فيه إلى أقصى حد، أم أن الانتشار المعرفي والإلمام بأكثر من مجال قد يكون أكثر نفعًا في فهم الحياة؟ لا أملك إجابة قاطعة.
فالتخصص العميق هو الذي يصنع العالم المتميز، لكن سعة المعرفة هي التي تجعل الإنسان أكثر قدرة على فهم العالم من حوله. وربما تكون الحكمة في أن يجمع الإنسان بين الاثنين: أن يتعمق في تخصصه، وألا يغلق الأبواب أمام بقية المعارف.
وكأستاذ في الجامعة، أجد متعة كبيرة في اتساع دائرة المعرفة، وفي محاولة الربط بين الأشياء التي تبدو للوهلة الأولى منفصلة. فالحدث السياسي قد يفسر جانبًا اجتماعيًا، والفن قد يكشف شيئًا في النفس البشرية، والتاريخ يساعدنا على فهم الحاضر، والطب لا يمكن أن ينفصل تمامًا عن الثقافة والمجتمع والإنسان. ومع ذلك، أقولها بكل صدق: أنا لا أتفق تمامًا مع مقولة «حليل أيام زمان».
صحيح أن جيلنا كان أكثر احتكاكًا بالحياة في بعض جوانبها، وربما كان أوسع معرفة بأشياء كثيرة، لكنني أرى أن طلابنا اليوم أكثر إبداعًا منا في تخصصاتهم، وأكثر قدرة على الوصول إلى المعرفة الحديثة وتوظيفها. لديهم أدوات لم تكن متاحة لنا، وعالم مفتوح أمامهم لم نكن نحلم به.
ولذلك ربما لا تكون القضية قضية جيل أفضل من جيل، وإنما جيل يختلف عن جيل، ووسائل معرفة تختلف عن وسائل معرفة.
نحن أخذنا معرفتنا من الكتب، ومن المجالس، ومن الأساتذة، ومن الشيوخ، ومن الشارع، ومن ملاعب الكرة، ومن الحياة نفسها. أما أبناؤنا فيعيشون في عالم تتدفق فيه المعلومات من كل اتجاه. والتحدي أمامهم ليس الحصول على المعرفة، وإنما معرفة كيف يختارون منها، وكيف يميزون الصحيح من الخطأ، وكيف يحولونها إلى فهم وإبداع.
وحين أتأمل تجربة نادر، أجد أنه جمع بين الأمرين؛ تخصص عميق، وانفتاح واسع على الحياة.
ولهذا ظل نادر في ذاكرتي أكثر من مجرد أخ أو صديق طفولة. إنه جزء من حي الصابرين نفسه؛ من ذلك الزمن الذي تشاركنا فيه اللعب والدراسة والأحلام، قبل أن تأخذنا الحياة كلٌّ إلى طريق.
كلما تحدثت عنه، عادت إليّ صور قديمة: كرة الشراب، وملعب الحي، وأصوات الصبية، وطرقات الصابرين، وأيام لم نكن نعرف أنها ستصبح يومًا أجمل ما نملك من الذكريات.
يا لها من أيام!
تحية لطلابي المنتشرين في بقاع الأرض المختلفة، الذين حملوا ما تعلموه منا، وأضافوا إليه من علمهم وتجاربهم، وأصبحوا اليوم في مواقع مختلفة من العالم.
والتحية من القلب لأولئك القابضين على الجمر، الباقين في السودان، الذين يواصلون الحياة والعمل والعطاء رغم قسوة الظروف.
والتحية والتجلة لأخي نادر محمد نور، رفيق الطفولة والصبا، وشريك كرة الشراب وملاعب الصابرين، وعالم الإحصاء، وعاشق الفن والرياضة والسياسة والفقه، وواحد من أولئك الذين يجعلونك تؤمن بأن المعرفة الحقيقية لا تعرف حدودًا.
حفظه الله ورعاه، وأطال عمره، وأدام بيننا تلك المناكفات الجميلة التي بدأت في حي الصابرين، وما زالت مستمرة حتى اليوم.
نادر محمد نور… أحد رموز أم درمان، وقطعة من زمنها الجميل.
