أبشر حسين يكتب: حمّادي محفور فى الذاكرة


حمّادي محفور فى الذاكرة
أبشر حسين
كان العم حمّادي، كما وعيناه أول مرة، رجلاً تجاوز السبعين من عمره، بوجهٍ أليفٍ يحمل ملامح الطيبة والرضا.
تزوج من حبوبتنا أمونة بت المصطفى، أخت جدّنا موسى ود الشيخ،ولم يرزقهم ربنا بالزرية وسكنا غير بعيدٍ عن بيتنا، بيتين فقط يفصلان بيننا وبين دفء حضورهما.
أبشر حسين يكتب: نادر محمد نور… موسوعة من زمن جميل
كان بيتهما بسيطًا كقلوبهما؛ غرفة من الطين، وإلى جوارها “تكل” غير معروش، تحيط به ثلاثة جدران لا يزيد ارتفاع أحدها عن المتر.
هناك، كانت أمونة تتهيأ كل صباحٍ لحكاية المطبخ (تكل)القديم، حيث الحلّة النصف سوداء تتكئ على ثلاث حجارة، يعلوها ملاح الروب الأبيض تفوح منه رائحة البصل الكبيرة، مزيج من البساطة والعافية، وطعمٌ ما زال يسكن الذاكرة، خاصة عند أطراف الحلة، حيث يلتصق المزيج بلون الدخان ويمنحك مذاقًا لا يُنسى.
وبالقرب من “التكل”، عنزتان وسخلتان تمشيان على مهلٍ، كأنهما جزءٌ من المشهد الأبدي لذلك الفناء الطيني.
كان العم حمّادي يغادر إلى سوق الموردة مع الصباح، ويعود مع المغيب، يحمل شوالاته الفارغة على كتفه، وخطاه المطمئنة تشقّ خور أبو عنجة حيث كنا نلعب “الدافوري” كل عصرية.
كنا ننتظره بشغفٍ طفولي، أنا وقرماج وعز الدين، فيبتسم لنا ويناولنا الشوالات، فننظفها مما علق بها من العجوة، ونتذوق طعمها على أصابعنا، كأنها منحةٌ صغيرة من الحياة.
حينئذٍ، كانت حبوبتنا أمونة تخرج من المطبخ حاملةً حلة اللبا، وجهها المضيء بابتسامةٍ حانية، ترشُّ القليل من السكر على وجه اللبا الكثيف، فلا يغوص فيه السكر، بل يبقى طافيًا، كنجومٍ بيضاء فوق ليلٍ حلو.
كنا نأكل بأيدينا، ونضحك، ونشعر أن الدنيا كلها في تلك الحلة، في ذلك الطعم، في تلك اللحظة التي لا تتكرر.
وحين نزل الرشاش الخفيف ذات مساء، اختلطت رائحة المطر الطازجة برائحة اللبن الساخن، ووقفنا صامتين — أطفالًا مذهولين — أمام هذا الجمال البسيط الذي لا يدرّس في مدرسة.
ثم جاء اليوم الذي لم نكن نتهيأ له:
رحل العم حمّادي.
لم تكن تلك أول مرة نحزن، لكنها كانت أول مرة نشعر باليُتم الحقيقي.
مشيتُ في جنازته، أراقب خطوات الرجال نحو المقابر، لا أفهم كل شيء، لكني كنت أعلم أني أفقد إنسانًا عظيمًا.
وقفتُ أمام قبره بعد الدفن، أنظر إلى التراب الذي احتضنه، وأتخيله تفتحه له الملائكة، كما يفتح المحبّ ذراعيه لمن عاد بعد طول غياب.
لقد عاش العم حمّادي حياة الفقراء، لكنه كان غنيًا بقلبه، كريمًا بفعله، طيبًا كبذرةٍ أنبتت فينا حبّ الآخرين دون خطبةٍ ولا كتاب.
أما أمونة بت المصطفى، فكانت مثال الحنان الصامت، الذي يربّي فينا الذوق قبل الكلام، والرحمة قبل الفهم.
رحمهما الله، فقد تركا فينا من الطهر ما لا يزول.
لقد كانا درسًا في الحياة، لا يُنسى ولا يُعاد.
