هشام عز الدين يكتب: عمر النمير.. كما عرفته

مواقفي مع عمر النمير قد تكون معدودة، ومعرفتي به في بدايتها لم تكن تتجاوز ما يعرفه الناس عنه؛ رجل أعمال شاب وناجح، استطاع رغم صغر سنه، الذي لم يتجاوز الثلاثة عقود، أن يحقق نجاحًا كبيرًا، وأن يؤسس عددًا من المؤسسات الاقتصادية في السودان والإمارات، حتى أصبح واحدًا من رجال الأعمال والمستثمرين السودانيين الذين لفتوا الأنظار.

لكن هذه المعرفة السطحية توثقت بشكل أكبر عندما تولى عمر رئاسة نادي المريخ في العام 2023.

والي الخرطوم ينعي رجل الاعمال عمر النمير و يشيد بإسناده للمواطنين خلال الحرب

وفاة عمر النمير رئيس المريخ السابق في العاصمة المصرية القاهرة

كان ذلك عام العسرة في السودان. حرب اندلعت، وبلد كامل دخل في واحدة من أسوأ مراحله، والمريخ نفسه كان يعيش ظروفًا صعبة جدًا، والجميع تقريبًا ينفضون من حوله.

في ذلك الوقت تقدم عمر، الشاب النحيل، وتحمل مسؤولية رئاسة النادي.

لم تكن المهمة سهلة، ولم يكن الظرف يسمح بالكثير من الخيارات، لكنه حافظ على المريخ من الانهيار، وفي تقديري سيبقى من الإنصاف القول إن عمر النمير كان واحدًا من الذين أنقذوا تاريخ المريخ من الضياع في تلك الفترة.

في الوقت الذي كانت فيه مليشيا الدعم السريع تقطع الطرق وتعبث بأمن الناس في مناطق واسعة من السودان، كان على إدارة المريخ أن تبحث عن لاعبيها وتجمع فريقها من أماكن متفرقة، وأن تجد مكانًا آمنًا للتدريب والاستعداد.

استطاع عمر أن يفعل ما كان يبدو مستحيلًا وقتها، وجمع شعث الفريق في معسكر الإسماعيلية، ونجح في إكمال عدد من الانتدابات، ووضع عملًا تنفيذيًا أعتقد أنه كان على مستوى كبير، بالنظر إلى الظروف التي كان يعمل فيها.

ومن خلال عملي رئيسًا لتحرير صحيفة «نادينا»، اقتربت أكثر من عمر.

كانت بيننا مساحة عمل ومساحة اختلاف أيضًا. وفي بعض المرات كان ينفعل علينا كصحفيين، لأنه يرى أن بعض الأخبار أو التسريبات يمكن أن تفسد عليه صفقات يعمل عليها، وكان يعاتبنا في ذلك.

لكن عمر لم يكن يعرف كيف يطيل الخصام.

ينتهي العتاب سريعًا بضحكته المعروفة، وكأن شيئًا لم يكن.

كان يحمل قلب طفل صغير، حتى وإن كان مظهره وطبيعة مسؤولياته يوحيان بشخص مختلف تمامًا.

وأذكر يوم دشنا موقع «نادينا».

وجهنا إليه الدعوة ليشرفنا بحضور التدشين، لكنه اعتذر لي لأن الموعد تزامن مع سفر له خارج القاهرة. تقبلت اعتذاره، ولم أفكر في الأمر كثيرًا.

لكنه فاجأني يومها بأنه كان من أوائل الحاضرين.

وقال لي إنه أجل سفره خصيصًا حتى لا نقول إن رئيس نادي المريخ انشغل عنا بعمله الخاص.

قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة لي كانت تعبر كثيرًا عن الرجل الذي عرفته.

وأتذكر أيضًا تلك اللحظات التي جمعته بالزعيم محمد إلياس محجوب، ولم أكن أتصور وقتها أن القدر سيكتب أن يكون الفارق بين رحيلهما عامًا واحدًا فقط.

لكن أكثر ما عاد إلى ذاكرتي بعد خبر رحيله لم يكن رئيس المريخ ولا رجل الأعمال.

كانت أمه.

أتذكر اتصال عمر بي يوم وفاة والدتي ليعزيني.

كان يعرف جيدًا حجم الألم الذي كنت أعيشه، وكان حديثه معي وقتها مختلفًا عن مجرد كلمات تعزية. قال لي إنه يعرف مقدار ما أشعر به، ويعرف جيدًا معنى أن يفقد الإنسان والدته.

ثم قال لي جملة لم أنسها حتى الآن.

قال لي إن أمنيته أن يكون عمره أقصر من عمر والدته، حتى لا يأتي عليه يوم يضطر فيه إلى أن يعيش ألم فقدها.

توقفت كثيرًا عند هذه الجملة وقتها، لأنها قالت لي شيئًا كبيرًا عن علاقة عمر بأمه، وعن مقدار حبه لها وتعلقه بها.

واليوم، بعد رحيله، عادت إليّ تلك الجملة بصورة مختلفة تمامًا.

فكرت في والدته.

ذلك الإنسان الذي كان عمر يخشى أن يفقده أكثر من أي شيء آخر، أصبح عليها الآن أن تواجه فقده هو.

رحل عمر قبل أمه، وترك لها الألم الذي كان يتمنى أن يجنبها إياه.

ولا أملك لها الآن إلا الدعاء.

ثم فكرت في كمبال عبدالله كمبال.

لم يكن كمبال بالنسبة لعمر مجرد صديق أو زميل، كان رفيق دربه وخازن أسراره وأحد أقرب الناس إليه.

نحن الذين عرفنا عمر من خلال العمل والإعلام والمريخ رأينا جانبًا منه، لكن كمبال كان يعرف عمر في تفاصيل أخرى لا يعرفها كثيرون.

يعرفه في أيامه الجيدة وأيامه الصعبة، يعرف تفاصيل حياته، أفراحه وقلقه وانفعالاته، وربما يعرف عمر الإنسان أكثر مما عرفناه نحن.

ولهذا عندما سمعت خبر وفاة عمر من الأخ الحبيب سامر العمرابي، لم يدر في خلدي سوى شخصين: والدته والاخ الحبيب كمبال عبدالله كمبال

قلت في نفسي: كيف تلقيا الخبر؟

والله إني لأشفق على حالهما.

أشفق على أم فقدت ابنها، وعلى رجل فقد رفيق دربه وصديقه وسنده فى هذه الحياة القاسية .

في النهاية، لم أعرف عمر النمير لسنوات طويلة، ولم تكن مواقفي معه كثيرة، لكن بعض الناس لا يحتاجون إلى سنوات طويلة حتى يتركوا أثرًا.

عرفت فيه رجل الأعمال، ورئيس المريخ، والرجل الذي كان يدافع عن عمله وصفقاته، لكنني عرفت أيضًا عمر الإنسان، صاحب الضحكة، وصاحب القلب الطيب، والابن شديد التعلق بأمه، والصديق الذي يقدر لمن حوله أن يشاركه لحظاته.

رحم الله عمر النمير.

وألهم والدته واخيه كمبال وكل أهله وأصدقائه ومحبيه الصبر والقوة على هذا الفقد.

إنا لله وإنا إليه راجعون.




رأي سودافاكس

فضاء مفتوح لأقلام سودانية متنوعة في شبكة سودافاكس الإخبارية. تعكس لمقالات المنشورة هنا آراء أصحابها ولا تُعبّر بالضرورة عن موقف هيئة التحرير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.