أمس؛ في أحد مجموعات “الواتساب” التي تضم كوكبة من خيرة العقول السودانية المستنيرة طرحت سؤالا من كلمة واحدة، (الحل؟) ، ماهو (الحل)؟ للمشكلة السودانية، طبعا بعيدا عن متلازمة “البل” التي فرضتها أجواء الهتافات الثورية في ساحة الاعتصام!
ولمزيد من التدبر والتفكر أرسلت لبعض القيادات السياسية والحزبية ومنهم من هم خارج البلاد وحتى حملة السلاح وطرحت عليهم السؤال ذاته!
وأذكر أنني كتبت هنا قبل عدة أشهر عن سياسي ومفكر معروف زارني في مكتبي وطفق يشرح لي بتفصيل كبير مشكلة السودان من منظوره فكنت أقاطعه بعبارة واحدة، (المشكلة معلومة لكل السودانيين، لكن ما هو “الحل”؟) فيبدأ في محاولة الاجابة ولكنه ينزلق سريعا إلى تفاصيل المشكلة، فأعيده للسؤال ، ماهو (الحل)؟ وأصدقكم القول لمدة ساعة كاملة فشل ليس في أن يقدم (الحل) بل أن يغادر محطة (المشكلة)!
عثمان ميرغني يكتب: تصحيح أوراق “الحوار”..
عثمان ميرغني يكتب: “أيوب” الجزائري.. والسوداني
عثمان ميرغني: مهمة توحيد السودانيين صعبة وليست مستحيلة
صحيح غالبية الذين سألتهم يملكون (وصفات) معلبة من مثل؛ (الحل!) في دولة الديموقراطية، أو دولة القانون، أو عدم الاقصاء، أو الحرية، لكنها ليست حلولا، فهي اما قِيّم أو نصائح، فهي أقرب لرجل يعاني من (مشكلة) الانتقال من حالة “الفردية” إلى مرحلة “الأسرة” فيسأل صديقه كيف يحقق النقلة، فتكون الاجابة (الزوجة الصالحة)!!.. هذه ليست وصفة (الحل) المطلوب! فهي (نصيحة) لا تدفع تكلفة (الصالة والشيلة) وتكاليف ما بعد الزواج!
أو كأن يعاني رجل من مشكلة مالية كالحة فيقدم له صديقة وصفة الحل بكلمة واحدة (الصبر)!! الصبر ليس وصفة (الحل) بل نصيحة معنوية ترفع درجة المقاومة والتحمل والتجمل لا أكثر!
قلت لأصدقائي في مجموعة “الواتساب” المطلوب حل من النوع Plug And Play وهي عبارة يعرفها أهل الكمبيوتر ويقصد بها أن يكون حلا قابلا للعمل به مباشرة، مثل الجهاز الجديد الذي يمكن بمجرد الحصول عليه توصيله بالكهرباء والضغط على الزر ليعمل..
مطلوب (الحل) بمواصفات تصلح للاستخدام المباشر بدل التخفي تحت غطاء المصطلحات.. واللافت فعلا للانتباه في مجتمعنا السياسي الميل للتعميم وحشو الحديث بفخامة العبارة مع شح التوصيف الفني الدقيق.
حسنا؛ بالمقياس العددي المباشر؛ لكي يحكم الاستعمار السودان من 1898 حتى 1956(58 عاما) قتلوا منا في معركة كرري (16) ألف، كان ذلك ثمن (السلطة)!
بقياس نفس الفترة الزمنية في الـ58 عاما بعد الاستقلال، دفعنا نحن السودانيين حوالي (30) ضعف تلك الخسارة البشرية لنحصل على (السلطة) ذاتها! ان نظام حكم واحد فقط هو النظام المخلوع قتل في دارفور وحدها 300 ألف سوداني! ليحافظ على (السلطة)ا!
بعبارة أخرى النظم السياسية السودانية – أبناء جلدتنا- الذين تصارعوا في السلطة بعد الاستقلال قتلوا من السودانيين 30 ضعف من قتلهم الاستعمار ليحصل على (السلطة) ذاتها في بلادنا.
في المقابل؛ كم أنجز (المستعمر) الأجنبي بعد (حصوله!) على السلطة؟ وكم أنجز (المستدمر) الوطني في (صراعه!) على السلطة؟
المستعمر بعد دخوله القصر الجمهوري تنعم بالاستقرار السياسي في بلادنا فانجز جامعة الخرطوم- خزان سنار – مشروع الجزيرة- الاذاعة – كل خرائط المساحة التي حتى اليوم نعتمد عليها في ادارة البلاد – الجيش السوداني – الشرطة –القضاء – سودانير – سلسلة لا حصر لها من المشروعات والمقومات الحديثة للدولة.
المستدمر الوطني الذي لم يتنعم أبدا بالاستقرار السياسي خلال الـ(58) عاما بعد الاستقلال (ولا يزال)، احصوا الاخفاقات في مقابل الانجازات.. بل تدمير ما أنجزه المستعمر الأجنبي.
ما زالت أسألكم ما هو (الحل)؟؟
في انتظار اجاباتكم..

