أبشر حسين يكتب: بيت العزاء… حين كانت أم درمان تتقاسم الحزن


بيت العزاء… حين كانت أم درمان تتقاسم الحزن
أبشر حسين
لا تزال صورة ذلك اليوم عالقة في ذاكرتي، كأنها حدثت بالأمس. كنا صغارًا، وكان جدنا يرقد على فراش المرض، بينما يمتلئ البيت بالأهل والجيران، خاصة في ساعات العصر. لم يكن أحد يأتي إلا ويسأل السؤال نفسه:
“أها… كيف أحوال الحاج؟”
فيرد أحد أعمامنا بصوت يخالطه الأسى:
“والله بقى ما بشرب إلا بالمعلقة.”
وفي اليوم التالي يتكرر المشهد، ولكن بإجابة أشد وقعًا:
“خلاص… بقى ما بتكلم.”
وهكذا كان الجميع يرقبون رحلة الوداع، مرحلة بعد أخرى، حتى جاء اليوم الذي اكتظت فيه الغرفة بالرجال. وقفنا خارجها ننتظر في صمت، ثم خرج أحد أبناء عمي يشيل (الفاتحة)، ففهم الجميع الرسالة دون أن ينطق بكلمة. لقد انتقل جدنا إلى جوار ربه.
أبشر حسين يكتب: حين كانت الأغنيات تحملنا إلى المستقبل، هشام حمد الله الزول الجميل
ساد البيت صمت مهيب، لم يقطعه إلا بكاء النساء الخافت. وبين الدموع بدأن في ترتيب البيت وإخراج العدة، استعدادًا لاستقبال أيام العزاء. وفي الوقت نفسه انطلقت المراسيل في كل الاتجاهات:
“أنت أمشِ بانت… وأنت أمشِ الثورة… وأنت أخبر فلانًا وفلانًا…”
لم تكن الهواتف قد غزت حياتنا بعد، فكان الخبر يسافر على أقدام الرجال، يحملونه بأمانة ومحبة.
وفي الوقت ذاته يتوجه أحدهم إلى سوق الموردة ليحضر الخضروات من عمنا صديق، ويشتري الشاي والسكر والدقيق من دكان عمنا عبد الحميد رجب. وكان الجميع يشعر أن واجب العزاء مسؤولية مشتركة، لا يحملها أهل الفقيد وحدهم.
وحين يُفرغ من تجهيز الجثمان، تبدأ النساء ما كن يسمينه “فتح البكاء”. ترتفع الأصوات بالنحيب، وتتعالى صيحات “حي ووب”، وتبكي البنات والأخوات بحرقة الفراق، بينما تمتزج الدموع بكلمات الصبر والدعاء.
ثم يُحمل الجثمان على العنقريب الذي أُعد لهذا الموقف، ويخرج النعش من البيت في موكب مهيب، يسير فيه الرجال على الأقدام نحو مقابر حمد النيل، تتردد في الطريق كلمات التهليل والتكبير، وكأنها تذكر الجميع بأن الموت حق، وأن إلى الله المصير.
وعندما يعود المشيعون يكون الكركدي البارد قد أُعد لهم، لتبدأ أيام العزاء الثلاثة. فمنذ صلاة الفجر يستقبل أهل الفقيد المعزين، ويُقدَّم الشاي مع اللقيمات، ثم يتوافد كبار السن، وخاصة المتقاعدون، يتبادلون الدعاء والذكريات. وبعد شروق الشمس تأتي وفود الموظفين، ثم يمتلئ البيت بالمعزين حتى وقت الغداء، ويبلغ الزحام ذروته في ساعات العصر وما بعد المغرب.
كانت ثلاثة أيام لا يعرف فيها البيت السكون. الجميع حاضر، والجميع يخدم، والجميع يشعر أن المصاب مصابه. ونجد أن البيت من الداخل كخلية النحل، مكتظ بالنساء؛ تجد صغارهن يقمن بتحضير الشاي والقهوة، وهن في مجموعات متقاربة في السن، أما الأكبر منهن سنًا فتجدهن منشغلات في تحضير الفطور، الذي يكون سهلًا نوعًا ما؛ الفول والطعمية والجبنة والتقلية والكسرة. وبعد الفطور يأخذن قسطًا من الراحة ليقمن بإعداد الملحات للغداء، أما النساء الكبيرات في السن فيكن في مجموعات داخل الغرف أو في البرندة، حيث يقمن بدور المراقب، ويقدمن النصح والإرشاد.
ثم يأتي اليوم الثالث، يوم رفع الفراش، حيث يبلغ الحضور قمته، ويأتي الناس ليقدموا ما يعرف بـ”الكشف”، وهي مساهمة مالية يشارك بها الجميع في تخفيف أعباء العزاء عن أهل الفقيد. لم تكن مجرد نقود، بل كانت رسالة تقول: لسنا معكم في الحزن بالكلمات فقط، بل بالفعل أيضًا.
تلك البيوت، وتلك الوجوه، وذلك التكافل… كانت ملامح أم درمان التي عرفناها. مدينة إذا بكى فيها بيت، شعرت كل البيوت أن الدموع تخصها، وإذا فقدت أسرة عزيزًا، حمل الحي كله معها بعضًا من ثقل الفقد.
رحم الله أولئك الذين صنعوا تلك الأيام، ورحم الله زمانًا كان الناس فيه أقرب إلى بعضهم من أي وقت مضى.
