أبشر حسين يكتب: قطار عطبرة المشترك … حكاية عائلة وذاكرة مدينة


قطار عطبرة المشترك.. حكاية عائلة وذاكرة مدينة
أبشر حسين
نشأتُ في بيئة بسيطة؛ كان أبي عاملاً في( بوستة) السكة حديد. وكانت الحكومة تمنحه كل عام إجازة لمدة ثلاثين يومًا، مع تذاكر سفر مجانية له ولأسرته المكوّنة من ولدين وبنتين وزوجة.
أبشر حسين يكتب: المُوردة… حيث يصنع النيل الحكايات
كانت عطلة المدارس تبدأ في الأول من مارس، وكان هذا التاريخ ثابتًا في ذاكرتنا كأنه عيد صغير ننتظره بشغف. ولا زلت أذكر ذلك الصباح البعيد ونحن نتحرك من منزلنا في الموردة مع صلاة الفجر، متوجهين إلى محطة السكة حديد الخرطوم لنستقل قطار عطبرة المشترك.
كانت أمي تحمل معها بعض الزاد البسيط: طعمية، وجبنة، وطحينية، ومربى. وكانت التذاكر(تسريح) التي تُعطى لأبي بحسب درجته الوظيفية الدرجة الثالثة، لكن أمي كانت تفضّل الدرجة الرابعة، مبررة ذلك بأنها أوسع، وأن مقاعدها الخشبية أكثر راحة من مقاعد الدرجة الثالثة. وربما كان ذلك أيضًا انعكاسًا لقوة شخصيتها وتمسكها برأيها، فكنا جميعًا ننصاع لاختيارها دون نقاش.
عندما نصل إلى محطة السكة حديد، نجدها مكتظة بالمسافرين إلى مدن السودان المختلفة؛ تتعدد الوجوه، وتتنوع اللهجات، وكأن المحطة تختصر السودان كله في مكان واحد. وبرغم بداية الصيف، كان الصباح يحمل شيئًا من الرطوبة المنعشة.
نختار العربة التي سنركبها، وكانت أمي تحمل معها بطانية إضافية لتفرشها إذا احتاج أحد للنوم على الأرض. وفجأة نسمع صوت الجرس الكبير معلنًا اقتراب موعد التحرك، وعادة ما تكون خمس دقائق فقط قبل انطلاق القطار.
وفي تمام الثامنة صباحًا يبدأ القطار بالحركة، مصحوبًا بصافرة طويلة وحادة، ثم يبدأ ذلك الإيقاع المحبب: أزيز العجلات وصوت تنفس القاطرة: “وش… وش… وش…”
كنت أحب الجلوس بجوار النافذة، أراقب محطة الخرطوم وهي تبتعد تدريجيًا، وكانت مباني المدينة آنذاك — في ستينات القرن الماضي — بسيطة ومتواضعة.
تكون سرعة القطار بطيئة في البداية حتى يدخل محطة الخرطوم بحرى، حيث يتوقف قليلًا، ثم يواصل سيره نحو محطة الجيلي. وهناك تبدأ أمي في توزيع سندوتشات الإفطار: الطعمية والجبنة، ثم “التحلية” بالطحينية والمربى.
كانت أمي امرأة مرتبة ومنظمة، تأثرت كثيرًا بالبيئة العمالية التي عاشتها في عطبرة،تلك المدينة المتجانسة التي ترك الفكر الاشتراكي والنقابي أثره الواضح على حياة الناس وسلوكهم اليومي. وقد احتفظت أمي بكثير من تلك التأثيرات، مما منحها شخصية مختلفة ومتفردة وسط نساء امدرمان.
وبعد مغادرة محطة الجيلي كان القطار يسرع أكثر، مارًا بالعديد من المحطات والقرى. ولا زلت أذكر الأطفال الصغار بوجوههم البريئة وهم يركضون بمحاذاة القطار، بينما يقوم بعض الركاب بإلقاء قطع الخبز لهم، إذ كانت قراهم جافة وفقيرة، تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.كنت اندهش كثيرا لوقوف القطار لمدة لاتتعدى الدقائق بما يعرف (بالسندة) حيث يستعد الركاب النازلين فيها قبل الوصول للسندة ويضعون حاجياتهم فى درجات باب النزول ويعاونهم الركاب فى ذلك وكنت اتعجب كيف يعيش الانسان فى هذه المناطق التى يبدو كلها رمال.
وكانت الرحلة نفسها عالمًا قائمًا بذاته: بائعو الشاي والقهوة، والبيض، والروب، والموز، والبرتقال… وصفارات القطار… و”الترولي”… وأحاديث المسافرين… وأغنيات الحقيبة التي كانت تنساب من بعض العربات، حتى أصبح القطار جزءًا من الذاكرة الاجتماعية السودانية، لا مجرد وسيلة نقل.
وعندما نصل إلى محطة شندى، كان القطار يقف فترة أطول، فينزل الركاب لشراء ما يُعرض من بضائع، خاصة الفواكه التي اشتهرت بها المدينة.
ثم يتحرك القطار بعد ذلك نحو عطبرة، ونشعر بفرح خاص عندما نمر بالتراحمة وكبوشية وام على والمحمية فـالزيداب والعالياب والدامر، ثم يعبر القطار الكوبري في مشهد مهيب قبل أن يدخل محطة سكة حديد عطبرة.
أما عطبرة، فكانت عالمًا مختلفًا؛ عاصمة السكة الحديد التاريخية في السودان، ومدينة النقابات والعمال. اشتهرت بورش القطارات، والثقافة العمالية، والحراك النقابي، حتى سُمّيت يومًا: “مدينة الحديد والنار”.
بروف ابشر حسين


