أبشر حسين يكتب: الشول في مستشفى أم درمان

الشول في مستشفى أم درمان

أبشر حسين

كان ذلك في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عندما كنت أعمل طبيب امتياز بقسم الباطنية في مستشفى أم درمان، ضمن وحدة القامة الطبية الشامخة الأستاذة الجليلة، د. تيسير محمد زين. وكان يعمل بالوحدة الدكتور محمد محجوب طبيبًا عموميًا، وكذلك الدكتور تاج الأصفياء، بينما ضمت مجموعة أطباء الامتياز كلاً من الدكتور حسان، والدكتور فيصل مبارك خوجلي، والدكتور علي زكريا، والدكتور محمد عثمان ود الخليفة، وأنا.

أبشر حسين يكتب: عبد الرحمن كرز… رجلٌ من الزمن الجميل

كان من ضمن نشاطات الوحدة نوبتجية يومي الاثنين والجمعة كل ثلاثة أسابيع. تبدأ النوبتجية في السابعة صباحًا، حيث نستلم العمل من الوحدة المناوبة التي سبقتنا، ثم نستمر في استقبال مرضى الحوادث حتى صباح الثلاثاء. وبعد الانتهاء من إجراءات إدخال المرضى ( الكليرانس)، نمر على العنابر الداخلية للرجال والنساء، ومن بينها عنبر قصار الشهير، ثم نزور مرضى الكرنتينة ومرضى الدرجة الأولى في الغرف المطلة على ساحة مسجد الخليفة عبد الله. وكثيرًا ما كنا لا نغادر المستشفى إلا عند الثانية ظهرًا، على أن نعود مساءً للمرور المسائي، وهو واجب لا يُعفى منه أي طبيب.
في تلك الأيام، اعتادت الشول أن تزورني كل يوم نوبتجية عند حوالي الثانية ظهرًا. كانت تأتي وهي تحمل في يدها عمودًا مليئًا بالطعام، أعدته بيديها لتقدمه لمرافقى المرضى داخل المستشفى.
وأذكر أنه في أحد الأيام أوقفها الموظف المسؤول عن تنظيم دخول المرضى إلى قسم الحوادث. كان حديث العهد بالمستشفى، ولا يعرفها، فظن أنها إحدى المريضات أو المراجعات، وطالبها ان تقيف فى الصف، حاولت أن تشرح له، في بساطتها المعهودة، أنها ليست مريضة، وإنما اعتادت أن تأتي لتطمئن على “دكتور أبشر وإخوته”، كما كانت تقول دائمًا.
في تلك اللحظة سمع الدكتور حسان الحوار، فأسرع إلى الرجل مبتسمًا وقال له:
“دعها… دي ما مريضة. دي الشول.”
ثم أخذ يشرح له قصتها، وكيف أنها اعتادت بعد الاطمئنان علينا أن تتجه إلى الشجرة القريبة من عنبر قصار، حيث يجلس مرافقو المرضى، فتجلس بينهم وتوزع عليهم الطعام الذي جاءت به، وكأنها واحدة من أهلهم.
ظل الرجل ينظر إليها في دهشة، بينما انفجر حسان ضاحكًا وهو يقول عبارته التي لا تزال عالقة بذهني:
“دي زي ها السِّكِّت عند بشرى الفاضل.”
بعد خروجها تبعها الحارس وجانا وهو اكثر دهشة وقال انه تابعها حتى وصلت الشجرة التى يجلس تحتها مرافقى المرضى وكيف انها جلست معهم وقدمت لهم الطعام ثم جمعت عدتها وخرجت من المستشفى وقال الحارس انه سأل مرافقى المرض عنها فاخبروهو انهم لايعرفونها ولكنها اعتادت كل يوم اثنين ان تاتى بعمود الطعام وتشاركهم الغداء.
كانت الشول شخصية استثنائية؛ لا تعترف بالحواجز، ولا تعرف الرسميات. كانت ترى أن المستشفى بيتها، وأن الأطباء والمرضى وأهلهم جميعًا أسرة واحدة، ولذلك لم يكن غريبًا أن تدخله بثقة، ثم تخرج منه وقد تركت وراءها ابتسامة، أو دعوة صادقة، أو لقمة طعام قسمتْها بمحبة مع من لا تعرفهم، وكأنها كانت تؤمن أن أجمل ما يملكه الإنسان هو أن يشارك الآخرين ما في يده. رحمة الله على د.محمد محجوب،د.حسان ،د.فيصل مبارك ، د.محمد عثمان ود الخليفة والشول.




بروفيسور أبشر حسين

بروفيسور أبشر حسين طبيب سوداني وباحث وبروفيسور بجامعة الخرطوم وكاتب ومؤسس مجموعة داؤود البحثية الغير ربحية ويكتب مقالات بصورة دورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.