هيثم مصطفى كرار يكتب: اغتيال النجاح في السودان.. سؤال يستحق المواجهة

اغتيال النجاح في السودان.. سؤال يستحق المواجهة
هيثم مصطفى كرار
سؤال يؤلمني كثيرا، وأظن أننا كسودانيين بحاجة إلى أن نواجهه بشجاعة:
لماذا كلما ظهر بيننا شخص يحاول أن يتقدم، أو ينجح، أو يترك أثرا طيبا، نجد من يسعى إلى تحطيمه؟
لماذا لا نختلف معه في الرأي ونترك إنجازه يتحدث عن نفسه؟
لماذا عندما نعجز عن هزيمة الإنسان في ميدانه، نبحث عن حياته الخاصة، ونفتش عن ثغرة في سمعته، وننشر عنه ما قد يهدم تاريخه كله؟
والأخطر من ذلك: لماذا أصبح البعض يتعامل مع الإشاعة كأنها حقيقة، ومع الاتهام كأنه إدانة، ومع التشهير كأنه حق من حقوق الاختلاف؟
قد نختلف سياسيا، فكريا، دينيا أو اجتماعيا مع أي شخص، وهذا طبيعي في أي مجتمع حي. لكن الاختلاف لا يمنحنا الحق في اغتيال الناس معنويا، ولا في صناعة الأكاذيب حولهم، ولا في تدمير سمعتهم لمجرد أنهم أصبحوا أكثر حضورا أو تأثيرا منا.
هيثم مصطفى يكتب: حضن الوطن المفتوح بلا سقف… إلى متى؟
والسؤال الأعمق:
هل المشكلة في نفوسنا؟
هل أصبح نجاح الآخر يستفز في داخلنا شيئا من الحسد والغيرة؟
هل تربينا اجتماعيا على أن سقوط الآخر يمنحنا شعورا بالانتصار؟
أم أن هذه ثقافة انتقلت بين الأجيال، فأصبحنا نمارسها دون أن نشعر؟
أحيانا أشعر أننا لا نخاف من فشل الإنسان بقدر ما نخاف من نجاحه.
نريد له أن يبقى في المكان الذي اعتدنا أن نراه فيه، فإذا تجاوزنا أو سبقنا أو أصبح أكثر تأثيراً، بدأنا في البحث عن طريقة لإعادته إلى الخلف.
وهنا تكمن الكارثة.
المجتمع الذي يحطم أبناءه الناجحين، في النهاية لا يحطم أفراداً فقط؛ بل يحطم نفسه.
اليوم قد يكون المستهدف شخصاً لا يعجبك، وغداً قد تكون أنت.
اليوم قد تسخر من إشاعة طالت شخصاً تختلف معه، وغدا قد تجد إشاعة تطارد اسمك أنت.
لذلك، قبل أن نعيد نشر اتهام، وقبل أن نشارك في اغتيال شخصية إنسان، علينا أن نسأل أنفسنا:
هل أملك دليلا؟
هل أقبل أن يُقال الكلام نفسه عني أو عن أسرتي؟
وهل أنا أنقل حقيقة، أم أشارك في تدمير إنسان؟
لسنا مطالبين بأن نحب كل الناس، ولا بأن نتفق معهم.
لكننا مطالبون بأن نكون عادلين.
فقد نختلف مع إنسان في كل شيء، ومع ذلك نرفض أن يُظلم.
وقد لا نحب شخصا، ومع ذلك نحترم حقه في سمعته وكرامته.
فلنتوقف عن صناعة الأبطال من خلال إسقاط الآخرين، وعن صناعة الانتصارات من خلال اغتيال السمعة.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من المحطمين.
السودان يحتاج إلى مجتمع إذا رأى شخصاً يتقدم، قال له: تقدم أكثر.
وإذا اختلف معه، قال: أختلف معك، لكنني لن أهدمك.
هذه ليست مجاملة لأحد…
هذه أخلاق مجتمع يريد أن ينهض.







