أبشر حسين يكتب: سميري الفي ضميري… حين تعيدنا الأغنية إلى الأحباب

سميري الفي ضميري… حين تعيدنا الأغنية إلى الأحباب

أبشر حسين

«سميري الفي ضميري» أغنية من كلمات وألحان الشاعر الكبير الجاغريو، وغناء الفنان المبدع مبارك حسن بركات. كلما استمعت إليها، بلحنها المريح، وكلماتها الجذابة، وأدائها العذب بصوت مبارك حسن بركات المنساب في هدوء وعذوبة، انتابتني موجة من الذكريات؛ فأجدني أبتسم تارة، وتارة أخرى تنساب من عيني دموع ساخنة، وكأن الأغنية لم تكن مجرد لحن وكلمات، وإنما مفتاحًا يفتح أبوابًا قديمة في الذاكرة.

أبشر حسين يكتب: يوم في المقرن.. حين كانت الخرطوم كلها هناك

وتعيدني الأغنية، على وجه الخصوص، إلى الحبيب شوقي التاجر، وهو يداعب ابن خالتي الشيخ سمير عبيد، ويناديه بمحبة: «سميري الفي ضميري». فما إن يسمع سمير هذه العبارة حتى ترتسم على وجهه ابتسامة رائعة، يعقبها ضحك ممتد، فيه من البراءة والصفاء ما يجعل كل من حوله يشاركه الفرح.

كانت بين شوقي وسمير روابط عميقة من المحبة والأخوة. وكنت أجد شوقي أكثر فرحًا وحبورًا حين يكون سمير حاضرًا. كان وجود كل واحد منهما يضيف شيئًا من البهجة إلى المكان، وكأن بينهما لغة خاصة لا تحتاج إلى كثير من الكلام.

كان دكان شوقي التاجر في الموردة أكثر من مجرد دكان؛ كان أشبه بندوة مفتوحة وملتقى اجتماعي جميل، يجتمع فيه الأصدقاء والأحباب من مختلف ألوان الطيف. تجد فيه لاعبي كرة القدم والمدربين، والأطباء والمهندسين، والتجار والموظفين، وأهل الحي، بل وحتى بعض علية القوم والمحافظين. ورغم أن الدكان كان بسيطًا في شكله وإمكاناته، فإن أريحية صاحبه وكرمه وحسن استقباله جعلت منه مكانًا يتسع للجميع.

كان شوقي بسيطًا في حياته، بشوش الوجه، كريم النفس، محبًا للناس. كان يقف إلى جانب الضعيف، ويسعى في حل مشكلات الآخرين، ويقدم ما يستطيع من عون دون ضجيج أو منٍّ. وكان من أوائل الحاضرين في مناسبات الناس؛ في الأفراح كما في الأتراح. لذلك لم يكن غريبًا أن تتسع دائرة محبته، وأن يجد له مكانًا في قلوب أعداد كبيرة من أهل الموردة وأصدقائه ومحبيه.

أما ابن خالتي الشيخ سمير، فكان رجلًا مباركًا، له محبة خاصة في قلوب الناس. أينما حلّ، وجدته يخلق حوله حالة من الألفة والمودة؛ لا يكاد يدخل مجتمعًا إلا احتواه وأحاطه بحبه. كان محبوبًا وسط الشيوخ، ومحبوبًا بين أهله وأصدقائه، وكان لحضوره أثر طيب في نفوس من حوله.

وكان سمير عاشقًا لحلقات الذكر، قريبًا من أهلها، وله فيها حضور خاص. كان ينسجم مع المدائح ويطرب لها، ويعيش أجواءها بروحه قبل جسده. وكان حضوره في تلك الحلقات يذكرني دائمًا بالمجذوب إسماعيل الطويل، ذلك الرجل الذي كان يتمتع بحضور طاغٍ وشخصية آسرة، فإذا حضر في مجلس من المجالس ترك أثره في النفوس.

وما أجمل أن تستعيد أغنية واحدة كل هذه الوجوه والأصوات والأماكن!
أحيانًا لا تكون الأغنية مجرد أغنية؛ تكون ذاكرة كاملة. لحنٌ صغير قادر على أن يعيد إلينا شارعًا قديمًا، ودكانًا متواضعًا، ووجوهًا أحببناها، وضحكةً ما زالت تسكن في أعماقنا رغم غياب أصحابها.

وهكذا تفعل بي «سميري الفي ضميري»؛ تأخذني من لحظتي الحاضرة إلى الموردة القديمة، إلى دكان شوقي، إلى سمير وهو يبتسم ثم يطلق ضحكته الجميلة، وإلى شوقي وهو يمازحه ويغمره بمحبته. وفي لحظة واحدة أشعر أن الزمن قد انطوى، وأن أولئك الأحباب ما زالوا بيننا.

رحم الله شيخ شوقي وشيخ سمير رحمة واسعة، وجمعنا وإياهم في الفردوس الأعلى.
لقد شكّلا جزءًا من حياتنا، وتركَا فيها من الجمال والمحبة والصفاء ما لا يمحوه الزمن. ولهما عندي محبة خالصة لوجه الله، ولهما عليّ من الأفضال والذكريات الجميلة الكثير.
وإن غاب الأشخاص، فإن أثرهم لا يغيب؛
تبقى ضحكاتهم في الذاكرة، وتبقى مواقفهم في القلب، وتبقى أغنية واحدة أحيانًا كافية لأن تعيد إلينا عمرًا كاملًا.

سميري الفي ضميري…
ويا ليت الزمن يعود بنا لحظة، لنرى الأحباب مرة أخرى، ونسمع ضحكاتهم كما كانت.إذا أردت، أستطيع أيضًا أن أجعلها أكثر حميمية وحنينًا وبأسلوب قريب جدًا من كتاباتك عن الموردة والصابرين، بحيث تبدو كأنها صفحة من كتاب ذكرياتك عن ذلك الزمن.




بروفيسور أبشر حسين

بروفيسور أبشر حسين طبيب سوداني وباحث وبروفيسور بجامعة الخرطوم وكاتب ومؤسس مجموعة داؤود البحثية الغير ربحية ويكتب مقالات بصورة دورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.